الرئيسية

صناعة “العدو” واغتيال الوعي: كيف تُهدم الأوطان؟


بقلم: محمد عبد القادر


تبدأ الحروب الكبرى قبل إطلاق الرصاصة الأولى في العقول!، حيث تُشنُّ حملات “صناعة العدو” وإعادة صياغة الشخصيات الوطنية لتتحول من رموز للتحرر إلى أهداف للتشكيك وشيطنة لشخصياتهم وأحيانا إلباسهم شخصيات كاريكاتيرية.
إن عملية عزل القائد عن محيطه الشعبي ليست مجرد صدفة، بل هي هندسة اجتماعية دقيقة تهدف إلى “صناعة القطيع” وتغييب الوعي الجمعي عن قضاياه المصيرية، وتحويل “البطل” في نظر شعبه إلى “عبء” يجب التخلص منه.
إن فن التلاعب بالقطيع، كما وصفه الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، هو السبيل الأمثل لعزل تأثير القائد الملهم عن محيطه، بل تنفير محيطه منه وإشعاره بعبثية الاستماع إليه واتباع خطه النضالي، حيث أكد لوبون ــ أن “الجماهير لا تعقل، بل هي مستعدة دائمًا لتصديق أي شيء شرط تكراره بذكاء” وقد سماها لوبون “سيكولوجية الحشد”.
وفق هذه النظرية التي أشار إليها لوبون التي تُعتبر حجر الزاوية في استراتيجية الاستيلاء على العقول؛ بعزلِ الجماهير عن الحقائق الصلبة وإغراقهم في سيل من العواطف والمخاوف المصنوعة، مما يسهُل إعادة توجيههم لضرب قادتهم بدلًا من مواجهة عدوهم الحقيقي.
يمكننا أن نعتبر القائد الإيراني الذي ثار على النفوذين الإنجليزي والأمريكي وقدم مشروعًا لتحرير إيران من السيطرة الغربية على ثروات إيران وهيمنتها أيضًا على القرار الإيراني في زمن الشاه محمد مصدق: “النموذج المعياري” للاغتيال المعنوي.
تمثل تجربة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق (1951-1953) المختبر الأول الذي طُبقت فيه نظريات التحكم في الوعي. فحين قرر تأميم النفط، لم تكتفِ القوى الاستعمارية بالحصار العسكري، بل أطلقت “عملية أجاكس” التي استهدفت وعي المواطن الإيراني البسيط.
صناعة الزيف: تشير وثائق الاستخبارات المركزية (CIA) المفرج عنها إلى تخصيص ميزانية ضخمة لشراء ذمم 80% من الصحف في طهران لشن هجوم منسق.
بدأت عملية “أجاكس” الاسم الكودي الذي استخدمته المخابرات الأمريكية بتفجير بيوت شخصيات دينية واتهام أنصار مصدق بها لعزله عن عمقه الاجتماعي، وتصويره كعدو للقيم والمبادئ.
عندما قاموا بالبدء بهذا النوع من العمليات وباستهداف مثل هذه الشخصيات الدينية المؤثرة في الشارع كانوا يعرفون أنه يضربون تحت الحزام ضربة قاتلة سيكون لها تأثيرها العظيم في المشهد مستهدفين إحداثَ تحولٍ كبير يتحول فيه الشارع الذي هتف لمصدق يومًا وشجعه على قراراته الوطنية إلى شارع يقف متفرجًا على سقوطه بسلبية معاكسة، نتيجة “الإيحاء الجماعي” بأن نضاله هو سبب الفقر والحصار، وهو “سببه، إي مصدق”، وليس جشع الشركات الأجنبية.
من المختار إلى غيفارا: خيط التشويه الواحد هذا المنهج الذي يستهدف التشويه والتشكيك وإلباس هذه القيادات المخلصة ثوب التهور والذاتية المريضة التي تسير بالناس إلى الكارثة لم يقتصر على مصدق وحده؛ بل هو “نمذجة” مكررة طُبقت على كل من يقاوم الإمبراطوريات المستعمرة من هانبيال “حنا بعل” القرطاجني إلى عمر المختار إلى غوما المحمودي في وقت السيطرة الثمانية على ليبيا إلى مانديلا إلى غاندي إلى عبدالناصر والقذافي هي نفس النمذجة المعتمدة، تتغير فيها الوسائل والتقنيات وتجدد الأحداث، لكنها تقدم الرؤية ذاتها بين النضال وبين تشويهه، فعمر المختار صوَّره الإعلام الإيطالي كـ “خارج عن القانون” أو “فلاق” باللهجة المحلية أو “قاطع طريق” بالفصحى، وجمال عبد الناصر حوربت أحلامه العروبية بآلات إعلامية ضخمة لكسر هيبته، وباتريس لوممبا وتشي غيفارا وفيدل كاسترو.
تعتمد استراتيجية “الشيطنة” على ثلاثة محاور:
أولًا تشويه المقاصد: تصوير النضال الوطني كـ “مغامرة طائشة” أو “بحث عن مجد شخصي”.
ثانيًا: صناعة العزلة: إيهام الشعب بأن هذا القائد منبوذ دوليًّا وأن الخلاص يكمن في التخلي عنه.
ثالثًا: الاستبداد بالذاكرة: إعادة كتابة التاريخ لتحويل المنجزات الوطنية إلى كوارث استراتيجية.
المقارنة وأدوات السيطرة
بينما كان مصدق يُحَاربُ بـ “الوسم الأيديولوجي” (اتهامه بالشيوعية رغم ليبراليته الواضحة والصريحة)، كان ناصر ولوممبا يُحَارَبُون بـ “الضغوط الاقتصادية” لضرب الحاضنة الشعبية.
والهدف دائمًا واحد: تحويل المجتمع من “حاضنة للمقاومة” إلى “قطيع” يسهل سوقه نحو التبعية، مستخدمين الإشَاعة المنظمة كأداة تستهدف التشويه لزعزعة اليقين في نزاهة القائد وكسر الرابطة العاطفية مع الشعب.
استخدام آلية الحصار والتضييق المعيشي وربط “الكرامة” بـ “الجوع” لدفع الجماهير إلى الكفر بقضاياها الوطنية والانشغال بلقمة العيش وتأمين أساسيات المعيشة التي يستخدمها العدو في إشغال شعب البلد المستهدف عن الالتحام بقيادته لخوض المعركة الوطنية وسبل التحرر وبناء الوطن وتقدمه.
وحتى يكتمل المشهد في تغييب الوعي الجماهيري باستخدام التزييف التاريخي، وتغييب القدوة لصناعة أجيال بلا هوية أو مرجعية، تظل المعركة دائرة بين قيادة تقود شعبًا يريد أن يسترد وعيه وبين عدو ماكر خبيث يزرع في طريق التحرر عقبات كأداء ومطبات منعرجة لعرقلة كل هذا المسار.
إن “صناعة العدو” لا تنجح إلا إذا نجحت في إقناع الضحية بتبني وجهة نظر الجلاد. لذا، فإن الدفاع عن رموز التحرر ليس تقديسًا للأفراد كما تقول أجهزة الدعاية والإعلام العدوة للوطن والأوصاف التي تنتقيها بدقة من إلباس مصطلحات كالدكتاتورية والطغيان ووصف القادة الوطنيين بغرابة الأطوار وسلوك الجنون والتخلف والجهل والبحث عن كل المفردات التي تجعلهم في موضع السخرية وهو ما أشار إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابيه الظاهرة الاستعمارية والغزو الفكري، وكذلك أشار إليها المفكر الفرنسي الذي ساند الثورة الجزائرية فرانتز فانون، بل هو دفاع عن “فكرة الحرية” ذاتها.
إن استعادة الوعي تبدأ من قراءة تاريخنا بأعيننا نحن، وفهم أن العدو لا يقتل القائد لينهي جسده، بل ليغيب عقولنا عن قضاياها للأبد وللمفارقة كما أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى أن الفكرة عندما تكون مجسدة بشخص يسهل نقدها وتشويهها، لكن عند غياب صاحبها أو القائد الوطني تصبح مجردة ويصعب مقاومتها.

زر الذهاب إلى الأعلى