روح التحدي ودورها في إعادة بناء الأمم

المهدي الفهري
تُعدُّ الدعوة إلى المنافسة وإثبات القدرات في مواجهة المصاعب والعقبات التي تواجه الإنسان أو المجتمع التي تتطلب جهدًا ذهنيًّا وبدنيًّا كبيرًا للتغلب عليها أحد أبرز أشكال التحديات والرهانات، فالتحدي وحده من يتبسم له الألم، وهو الوسيلة الأنجع لاختبار قدراتنا، والفرصة الأقرب لاكتشاف مواهبنا وما نملكه من إمكانات كامنة ومستترة ومقومات نائمة ومنومة، وأن تغيير الواقع ونهوض أي أمة ليس أمرًا مستحيلًا شريطة امتلاك إرادة التغيير والإصرار على تكرار المحاولة، فالمحاولات الفاشلة لا تعني اليأس، بل تشير إلى الحاجة إلى إعادة التفكير وتطوير الأساليب والوسائل المناسبة لتحقيق الأهداف المنشودة، حيث يرى عدد من المفكرين أن امتلاك روح التحدي والقدرة على المجاراة والصمود والتصدي يمثل محاولة واعية لتجاوز صعوبة الموقف وعدم الاستسلام بسهولة أمام الغير، كما يؤكدون أن المعاناة هي مهد الإبداع الأعظم، وأن الأهداف التي تُثير الحوافز غالبًا ما تحرك مشاعرنا وتشعرنا بنشوة العمل والأداء، في حين أن غياب التحدي باعتباره محركًا لنهضة الأمم وتقدمها يؤدي إلى اختيار واستمرار حياة بدائية صامتة فاقدة للقيمة وللمعنى وخالية من القدرة على التحرر والتطور والإبداع، فالتحدي الخلَّاق هو الذي يستفز الطاقات الإنسانية إلى أقصى درجاتها تخطيطًا وتنظيمًا وفاعلية، ويجعل الإنسان قادرًا على تطوير الآليات اللازمة للتغلب على عوامل الخوف والتردد.
وقد تجسدت هذه الحقيقة في تجارب العديد من الأمم والشعوب التي تحررت من العبودية وطورت أدواتها المعرفية والعملية وحققت إنجازات ملموسة في مسيرتها نحو التقدم، وكلما استجابت الأمة بتنمية قدراتها واتخذت من التحدي الخلَّاق طريقًا نحو النهضة والتحضر ازدادت طاقاتها وتسارع تحولها نحو النمو والتقدم الحضاري، ورغم أن النجاحات الكبيرة هي نتاج جهود وصناعة جماعية فإن التقدم والتحضر هما أيضًا ثمرة لسلسلة من التحديات الناجحة التي تقع على عاتق الأفراد المبدعين والقادة الملهمين أصحاب الرؤية المستقبلية والقدرة على تحريك المجتمع في مواجهة هذه التحديات.
ويُشكل انحياز الأغلبية إليهم سواء عبر المشاركة الواعية أو المحاكاة عاملًا حاسمًا في تمكين المجتمعات من تجاوز المخاطر التي تعترض طريقها، لا سيما وأن العلاقة بين التحديات والاستجابات غالبًا ما تكون علاقة طردية، فكلما ازدادت التحديات صعوبة تصاعدت قوة الاستجابات إلى أن تصل الأمة إلى الحل النموذجي الذي يقودها بأمان نحو الحرية والنهضة والحضارة، ومع ذلك فإن مسار تقدم الأمم لا يسير دائمًا في خط مستقيم، بل يمر أحيانًا بمنحنيات متغيرة ومتقلبة تعكس سلسلة من المحاولات الفاشلة أو المتعثرة التي تشكل جزءًا طبيعيًّا من طرق الوصول إلى النجاح، ومع أن تحقيق النهضة والريادة الحضارية مطلب إنساني سعت إليه كل الأمم عبر التاريخ بتحديات متنوعة واستجابات مختلفة وقد تمكن بعضها من النهوض رغم شدة التحديات التي واجهها مقدمًا بذلك نماذج وتجارب حية على إمكانية قهر المعوقات بمفهومها العام والشامل وكان وراء هذه النهضات دائمًا رجال مغامرون يعشقون التحدي وقادة يتمتعون بإرادة صلبة، ولولاهم لما قامت حضارة ولا استمرت حتى اليوم.
