مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 22


مهدي إمبيرش


منذ المداخلة الأولى التي اهتممنا فيها بمحاولة لمقاربة الإجابة عن السؤال الماهوي الكبير والعميق، ما الإنسان؟ ثم تحدثنا عن اللسان ومنهج التفكير واللغة، وبعدها عن اللاهوت، والتي من خلالها تناولنا بعضًا من الأطروحات حول الجدل العنيف داخل بلاد الإغريق بين اليونانية في أثينا، والمدرسة الأيونية في آسيا الصغرى، والمدرسة المقدونية، وذلك من أجل تلمس الأزمة التي نعتبرها أزمة الإنسان أولًا، وأزمة المعرفة ثانيًا والتي كانت ولا تزال تدور معاركها على مستوى مناهج التفكير واختلاف الألسن والخطابات الحامية والباردة التي ذهب ضحيتها ملايين البشر، ولا أظنها ستنتهي.
وفي عجالة وضحنا أن الأزمة بدأت من آدم وزوجه عليهما السلام ومن قصة خلق الإنسان من مادة فيزيائية هي التراب الذي تحول إلى طين ثم إلى صلصال كالفخار، وحمأٍ مسنون، الذي اعتبرناه الطور الأول في قصة الإنسان، أي الجانب المادي الذي تم التفوق عليه بالتقدم إلى الطور العضوي (الفسيولوجي)، أي طور الحياة، الذي يكون الإنسان فيه محكومًا بمنطق وقانون الحياة العامة (biology ) بدءًا من النباتات، أي الطور البشري، ثم الطور الأخير وهو طور الإنسان عندما نفخ الله فيه من روحه فصار إنسانًا قادرًا على التفكير، وهو الطور الذي أمر الله فيه الملائكة أن تسجد لآدم لأنه في هذا الطور صار في مقدوره أن يتعلم، وأول درس في التعليم الإلهي لآدام أن علمه الأسماء، وهذه أطروحة مهمة كانت ولا تزال مركز التفكير الإنساني، التي ذكرنا أن أول من أشار إليها كان اليوناني أفلاطون على لسان أستاذه سقراط، في محاورة كراتيلوس التي قسم فيها الاسم إلى مقدس ودنيوي، برز فيه اللاهوت بثنائية المقدس والمدنس، السماء والأرض، اللاهوت والناسوت، السيد والعبد، الذكر والأنثى، الجسد والنفس، الاسم والفعل، العقل والنقل، وهكذا.
إن الوقفة القرآنية التي علمنا الله إياها وإن كنا لم ننتبه، هي أن آدم تعلم الربط بين الاسم والمسمى، وكان من المفترض أن ننشغل نحن المسلمين بدراسة هذا الموضوع خارج الدراسات الوصفية والتحليلية المستعارة من الفيزياء.
لقد نبهنا ليس من باب التمحن والنفج العرقي إلى عبقرية اللسان العربي، على اعتبار أن اللسان يكشف عن منهج التفكير، وأن اللسان يتمظهر من خلال وسائط التعبير أو عبور الأفكار التي ينتجها الذهن إلى الخارج، في حالة شهادة أي إرادة قول وإرادة استماع كما قال الحق: “ألقى السمع وهو شهيد”، فإلقاء السمع يكشف عن قصدية وإرادة استماع، لأن هناك مخلوقات لها قدرة على السمع، ولكن لم تمتلك إرادة الاستماع، ثم تأتي جملة “وهو شهيد”، وهي جملة حالية حيث الواو واو الحال وأن تأتي الحال جملة اسمية في العربية لها أبعادها، والشهيد أبعد من الشاهد، أي أن فيه مبالغة في الإلقاء والاستماع، لقد ذكرنا لدراسة الإنسان أن مصطلح الطور هو مصطلح التفوق، ليس بالمفهوم الجدلي الترانسندنتالي، الهيقلي التركيبي، من خلال القضية ونقيضها ثم التركيب بين الاثنين، فالتفوق في خلق الإنسان هو بقاء الجانب الفيزيائي فيه، ثم تفوق الجانب الفيسيولوجي، ومن بعد الطور الإنساني.
لقد ذكرنا أن الجملة في العربية لا تفهم إلا إذا فهمنا الجملة العصبية، وعمليات التفكير في الذهن، حيث قلنا إن اللسان العربي البياني، يتم ليس من خلال التركيب كما في الألسن الأعجمية، ولكن من حيث التكون، وقد أشرنا في دراستنا العربية إلى قصة الخلق نفسه عندما ذكرنا الفرق بين أن في العربية التي تؤكد الموجودية وكان التي تتقدم من الموجودية إلى الكينونة، وأفعال كان من صباح حتى المبيت تحتاج إلى دراسة لسانية غير هذه الدراسة الفجة التي يتم تعليمها في مدارسنا والتي تعتمد الجانب الوصفي الذي هو تحصيل الحاصل، فربط الفعل في زمان يوم تام، يمكن أن نفهم منه ملامح فلسفة الزمان في اللسان العربي، ولماذا أفعال الكينونة ناقصة، ولماذا يستثنى زمن الظهر، الذي نقرؤه الظهور التام من المتحقق، كما نقرأ القسَم الإلهي بالفجر والصبح والضحى والعصر والليل، وهي محطات مهمة لقراءة منهج التفكير العربي البياني أن العودة إلى قراءة تمثلات الأزمة المعرفية في الإنسان منذ المدرسة الإفريقية إلى اليوم تقتضي منا قراءة هذا الأزمة في الخلاف الحاد بين مدارس التفكير الإغريقيّة بل بين منهج تفكير ساكن لسقراط وأفلاطون فيلسوفي المدينة، والعلاقة بينهما والمدرسة الايلية في المستعمرة الإغريقيّة في جنوب إيطاليا، والمدرسة الأيونيّة، للمفكرين الطبيعيين (السوفسطائيين) المتكلمين، الذين كانوا يعيشون في آسيا الصغرى حيث الأرض والتغيرات الفصلية والمناخية، وحيث الانتصار للفعل والحركة والمدرسة المقدونية حيث ينتهج أرسطو الموقف الوسطي بين مثالية أفلاطون والصور المفارقة في السماء أو المعرفة القبلية وبين المدرسة الطبيعية والمعرفة ممكنة التعلم.
إن هذه الخلافات والاختلافات لا تزال قائمة إلى اليوم حتى أننا نعترف بمقولة ميكيافيلي (أن التاريخ يعيد نفسه) ومقولة الإيطالي بنديتو كروتشيه (كل الفكر فكر معاصر)، وإن كنا نرضى أن التاريخ باعتباره الفعل الإنساني الإرادي الحضاري لا يعيد نفسه، ولكن الإنسان يكرر أخطاءه فيتوهم أن التاريخ يعيد نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى