بين الانفتاح وفقدان البوصلة

منيرة محمد
لم تعد ليبيا بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، رغم ما تعيشه من انقسام سياسي، واضطراب أمني، وهشاشة مؤسسية. فالعولمة لا تنتظر استقرار الدول كي تطرق أبوابها، بل تتسلل عبر الشاشات، والأسواق، وأنماط الاستهلاك، لتفرض واقعًا جديدًا يتعايش معه الليبي يوميًّا، أحيانًا دون وعي، وأحيانًا دون قدرة حقيقية على الاختيار.
ثقافيًّا، تعيش الهوية الليبية حالة شدٍّ وجذب حادَّة. فالموروث الاجتماعي المحافظ، القائم على قيم التضامن والعائلة والخصوصية الثقافية، بات يصطدم بنماذج ثقافية مستوردة تُقدَّم باعتبارها معيار الحداثة والتقدم. ومع غياب مشروع ثقافي وطني واضح، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأساسي لتشكيل وعي الشباب، ما فتح الباب أمام أنماط سلوك غريبة عن السياق الليبي، وأفرغ بعض المفاهيم من معناها الحقيقي.
اقتصاديًّا، تكشف العولمة هشاشة الاقتصاد الليبي بشكل أوضح. فليبيا، رغم امتلاكها ثروة نفطية ضخمة، تحولت إلى سوق استهلاكي بامتياز، يعتمد على الاستيراد في أبسط احتياجاته. ومع تقلبات الأسواق العالمية، وغياب التنويع الاقتصادي، بات المواطن الليبي يدفع ثمن العولمة في صورة ارتفاع للأسعار، وتآكل في القدرة الشرائية، وارتهان لقوى خارجية تتحكم في سلاسل الإمداد.
سياسيًّا، تبدو ليبيا نموذجًا صارخًا لدولة تتقاطع فيها العولمة مع التدخل الدولي. فالقرار الوطني لم يعد نابعًا من الداخل فقط، بل يتأثر بحسابات إقليمية ودولية، ومصالح قوى كبرى تتعامل مع ليبيا كملف، لا كدولة ذات سيادة كاملة. وفي هذا السياق، أصبحت مفاهيم مثل “الشراكة الدولية” و”الدعم الأممي” سيفًا ذا حدَّين، بين الحاجة إلى الاستقرار، وخطر تكريس الوصاية.
إعلاميًّا، أفرزت العولمة فضاءً مفتوحًا بلا ضوابط، حيث تداخل الخبر بالشائعة، والرأي بالدعاية. ومع ضعف المؤسسات الإعلامية الوطنية، تصدَّرت المنصات العابرة للحدود مشهد التأثير، وأسهمت في تعميق الاستقطاب الاجتماعي، وتوجيه الرأي العام وفق أجندات لا تعكس بالضرورة المصلحة الليبية.
ورغم كل هذه التحديات، فإن العولمة ليست قدرًا سلبيًّا مطلقًا. فهي تتيح لليبيين فرصًا للتعلم، ونقل المعرفة، والانفتاح على تجارب دول نجحت في بناء دولها بعد الصراع. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تظل مرهونة بوجود دولة قوية، ومؤسسات قادرة، ونخب واعية تدرك أن الانفتاح لا يعني الذوبان، وأن التحديث لا يكتمل دون جذور.
في زمن العولمة، تقف ليبيا أمام سؤال مصيري: هل تكون فاعلًا واعيًا في عالم متشابك، أم تظل ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين؟ الإجابة لا تصنعها الشعارات، بل يصنعها مشروع وطني يعيد الاعتبار للهوية، ويستثمر في الإنسان، ويضع مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار.
