مقالات الرأي

حين تشرعن الغنائم


بقلم / عفاف الفرجاني


تكشف تقارير ديوان المحاسبة عن صورة مالية مقلقة لإدارة المال العام في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد أزمة الفساد مرتبطة بندرة الموارد، بل بطريقة إدارتها، وبالخيارات المالية التي اتخذتها حكومة عبد الحميد الدبيبة في سياق سياسي مضطرب، جرى فيه توسيع الإنفاق خارج الضوابط، وتكريس الاستثناء كقاعدة، وتهميش الأدوات الرقابية، ما أفقد الميزانية دورها التخطيطي وحولها إلى أداة إنفاق سياسي.
فبحسب تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2024، بلغت الإيرادات العامة للدولة نحو 174 مليارًا و825 مليون دينار، وهو مستوى تاريخي كان يفترض أن ينعكس على الخدمات العامة والاستقرار النقدي. غير أن هذه الوفرة ترافقت مع انفلات واضح في الصرف، سواء عبر تضخم الإنفاق الجاري، أم فتح مسارات مالية موازية، أم الالتفاف على القوانين المنظمة، الأمر الذي أسهم في تعميق الاختلالات بدل معالجتها.
وسجل التقرير استمرار تأخر الحسابات الختامية، ووجود تشوهات مالية جوهرية تتطلب تدخلًا تشريعيًّا عاجلًا، وهي ملاحظات متكررة لم تترجم إلى إصلاحات فعلية، بل جرى التعامل معها كإشارات رقابية بلا أثر تنفيذي. كما أشار إلى ضعف التزام عدد من الجهات التابعة للحكومة بالقوانين المالية، وفتح حسابات مصرفية دون أطر قانونية واضحة، والصرف خارج الأغراض المعتمدة.
حيث واصلت الحكومة الاعتماد على آليات إنفاق استثنائية تحت عناوين الطوارئ والدعم، ما أسهم في توسيع دائرة الهدر المقنن، وخلق بيئة ملائمة لإعادة إنتاج الفساد، في ظل غياب منظومة شفافية تتيح تتبع حركة المال العام، وتحول التقارير الرقابية إلى وثائق مؤجلة.
ويكشف التقرير أيضًا عن وجود ما لا يقل عن عشرة مليارات دينار من العملة المتداولة مجهولة المصدر، وهو مؤشر خطير على فقدان السيطرة النقدية، تتحمل الحكومة مسؤوليته السياسية نتيجة ضعف التنسيق مع المصرف المركزي، والتدخل في السياسة المالية دون رؤية واضحة.
في تقديري لا يتمثل الفساد المالي في أرقام مهدرة فقط، بل في نمط إدارة قائم على فوضى الإنفاق، وتأجيل الإصلاح، وتآكل الثقة في الدولة. فحين تشرعن الغنائم، يتحول المال العام من أداة إدارة رشيدة إلى وسيلة لإدامة الأزمة، وتبقى الدولة أسيرة وفرة بلا تنمية ومحاسبة بلا أثر.
الخروج من هذا المسار لا يتطلب موارد إضافية، بل إرادة سياسية واضحة لإعادة الاعتبار للرقابة والمساءلة. ويبدأ ذلك بالالتزام بنشر الحسابات الختامية في مواعيدها القانونية، وربط الصرف العام بمنظومة شفافية رقمية تتيح التتبع الفعلي للإنفاق، وتمكين ديوان المحاسبة من صلاحيات تنفيذية تضمن عدم بقاء تقاريره حبيسة الأدراج، فضلًا عن ضبط العلاقة بين الحكومة والمصرف المركزي، ووقف العمل بالآليات الاستثنائية خارج الإطار القانوني، إلا أن هذا الكلام نظري وغير ممكن في حكومة امتهنت سرقة قوت الشعب بلا حسيب ولا رقيب.

زر الذهاب إلى الأعلى