مقالات الرأي

استيفاء الحق الدولي


بقلم/ محمد بوخروبة


لم يكن المشهد المتخيل لقيام الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب بالقبض على نيكولاس مادورو مجرد سيناريو سياسي صادم، أو تحول يمكن اختصاره في مصطلح غير مكتوب في مواثيق الأمم المتحدة.. لكنه حاضر بقوة في الممارسة، استيفاء الحق الدولي، لا يمكن النظر إلى إسقاط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا بوصفه شأنًا داخليًّا معزولًا، أو صراعًا سياسيًّا محليًّا على السلطة، فالقضية في جوهرها أبعد من حدود كاراكاس، وأعمق من أزمة اقتصادية خانقة أو انقسام سياسي حاد، ما يجري في فنزويلا هو فصل متقدم من صراع دولي واسع على الطاقة، والنفوذ ومسارات الاقتصاد غير الرسمي، وإعادة تشكيل موازين القوة في عالم لم يعد يحتمل اللاعبين الخارجين عن إيقاعه.
إن إسقاط نظام مادورو، يعني عمليًّا أن الولايات المتحدة تضع يدها بشكل مباشر أو غير مباشر على أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، وهذه الحقيقة وحدها كافية لفهم حجم الرهانات، وحدة الصراع وسبب الإصرار الأمريكي المستمر منذ سنوات، على خنق النظام الفنزويلي سياسيًّا واقتصاديًّا تمهيدًا لإعادة هندسة المشهد بالكامل.
فنزويلا ليست دولة نفطية فحسب، بل هي عقدة استراتيجية في سوق الطاقة العالمية، امتلاك التأثير على نفط فنزويلا لا يعني فقط زيادة المعروض، بل يعني التحكم في ورقة ضغط جيوسياسية حساسة يمكن توظيفها في مواجهة خصوم واشنطن، وضبط أسعار الطاقة وإعادة توجيه التدفقات بما يخدم المصالح الغربية.
ومن هذا المنطلق، فإن إنهاء نظام مادورو من وجهة إدارة ترامب يعني إخراج النفط الفنزويلي من دائرة النفط المعاقَب وإعادته إلى السوق وفق قواعد جديدة تتحكم فيها الشركات الغربية، وتدار ضمن منظومة سياسية واقتصادية منضبطة، لا مكان فيها للتحالفات الخارجة عن النظام الدولي السائد.
وعليه فإن سقوط مادورو لا يعني فقط خسارة حليف سياسي لإيران، بل توجيه ضربة قاصمة لشبكة اقتصادية كاملة تعتمد على الفراغ والفوضى، وضعف الرقابة الدولية، إنه تجفيف لمنابع وليس مجرد تغيير نظام، أما الصين التي طالما قدمت نفسها كشريك اقتصادي لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول، فقد استفادت بشكل أو بآخر من فنزويلا، سواء عبر صفقات نفطية طويلة الأمد أو استثمارات استراتيجية، أو توسيع نفوذها في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.
إعادة تموضع فنزويلا ضمن الفلك الأمريكي تعني تقليص هذا النفوذ، وإعادة ضبط التوازن في أمريكا اللاتينية في لحظة دولية تشهد تصاعدًا في التنافس الأمريكي الصيني، هي ليست خسارة صاخبة لبكين، لكنها خسارة مؤلمة في حسابات النفوذ بعيدة المدى.
التاريخ السياسي الحديث يعلمنا أن إعادة رسم الخرائط في مكان ما من العالم، لا تتم بمعزل عن أماكن أخرى، فحين تتحرك الصفائح الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية، فإن ارتداداتها تصل حتمًا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ومناطق النزاع المفتوحة.
المنطق واحد وإن اختلفت الساحات، إعادة ضبط مراكز النفوذ، تحجيم اللاعبين المزعجين، وإغلاق مسارات الاقتصاد الموازي الذي يغذي الفوضى، ويمنح بعض الأنظمة والجماعات قدرة على الصمود خارج النظام الدولي.
في الشرق الأوسط حيث تتقاطع ملفات الطاقة والأمن والعقيدة والممرات البحرية، فإن أي تحول كبير في ميزان الطاقة العالمي ينعكس مباشرة على معادلات الصراع، تقليص قدرة إيران على المناورة اقتصاديًّا في فنزويلا، يعني تضييق الخناق عليها في ساحات أخرى، كما أن إعادة ترتيب سوق النفط العالمية تعني إعادة حسابات التحالفات وأدوات الضغط، ومساحات الحركة للدول المنتجة وغير المنتجة على حد سواء.
رغم ما قد يبدو للبعض، ليبيا أيضًا ليست استثناءً من هذا السياق، فهي دولة تمتلك موقعًا استراتيجيًّا واحتياطيات نفطية مهمة، وتقع عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية، استمرار حالة السيولة السياسية والأمنية فيها يخدم، في جانب منه، منطق الملف المفتوح القابل للتوظيف في لحظات إعادة الترتيب الكبرى.
فإذا كانت واشنطن وحلفاؤها يتجهون إلى تقليص مناطق النفوذ الرمادية، وتجفيف اقتصاديات الفوضى، فإن ليبيا ستكون عاجلًا أم آجلًا أمام استحقاق إعادة التموضع، إما كدولة مستقرة مندمجة في النظام الدولي، أو كساحة صراع مؤجلة تدار عند الحاجة.
نحن أمام عام جديد طقسه بارد، لكن أحداثه ساخنة، عام تراجع فيه التحالفات وتختبر فيه الأنظمة، وتعاد فيه كتابة بعض الفصول التي طال انتظارها، فنزويلا ليست سوى بداية محتملة لمسار أوسع، عنوانه، إعادة الانضباط إلى نظام دولي ضاق ذرعًا بالاستثناءات.
إن إسقاط نظام مادورو، لن يكون انتصارًا محليًّا للمعارضة الفنزويلية فقط، بل حلقة مفصلية في صراع عالمي على الطاقة والنفوذ والاقتصاد غير الرسمي. وهو في الوقت نفسه من وجهة الإدارة الأمريكية، رسالة واضحة بأن مرحلة التساهل مع المناطق الرمادية تقترب من نهايتها، وفي عالم يعاد فيه رسم الخرائط بلا ضجيج لكن بقرارات حاسمة، تبقى العبرة للدول التي تقرأ التحولات مبكرًا، وتستعد لها بوعي، لا تلك التي تنتظر أن تفرض عليها الوقائع، فالتاريخ لا يرحم المتأخرين والسياسة الدولية لا تعرف الفراغ.

زر الذهاب إلى الأعلى