مقالات الرأي

وطن يبحث عن نفسه


فرج بوخروبة


مع بداية كل عام جديد أشعر أن ليبيا تقف أمام لحظة صامتة، لحظة تشبه تلك التي يلتقط فيها الإنسان أنفاسه قبل أن يقرر إلى أين يمضي، لحظة لا يعلو فيها صوت على صوت الداخل، ذلك الصوت الذي يقول لنا إن ما مضى لم يكن مجرد أحداث عابرة، بل دروس ثقيلة حملناها على أكتافنا حتى اعتدنا وزنها. وأجدني أنظر إلى هذا البلد كما ينظر المرء إلى وجه يعرفه منذ زمن طويل، وجه تغيَّر كثيرًا لكنه ما زال يحتفظ بتلك الملامح التي تجعلنا نعرفه من بين ألف، ملامح تعب وصبر وعناد لا تخطئها العين. وفي هذا المشهد السياسي الذي يبدو أحيانًا كأنه دائرة لا تنتهي، لا أرى فقط صراعًا على السلطة أو تنازعًا بين أطراف، بل أرى بلدًا يبحث عن صيغة جديدة لوجوده، صيغة لم تتضح بعد لكنها تتحرك في العمق مثل تيار خفي، تيار لا يسمعه إلا من يقترب من الأرض ويصغي جيدًا. فالسياسة في ليبيا لم تعد مجرد خلافات بين أشخاص، بل أصبحت انعكاسًا لمرحلة طويلة من الانتقال، مرحلة لم تجد بعد مخرجها، لكنها أيضًا لم تستسلم لفكرة الانهيار الكامل، وكأن هناك شيئًا ما، أكبر من الجميع، يمنع هذا البلد من السقوط الأخير.
ما يلفتني دائمًا هو أن الليبيين، رغم كل ما مرَّ بهم، لم يفقدوا قدرتهم على التمييز، بل أصبحوا أكثر وعيًا بأن الحلول السريعة لا تبني دولة، وأن الاستقرار لا يأتي من اتفاقات تُكتب تحت ضغط اللحظة، بل من قناعة مشتركة بأن الوطن أكبر من كل الأسماء التي تتصدر المشهد، وأن الدولة ليست ساحة لتصفية الحسابات، بل إطار يحفظ الناس من الفوضى. وفي قلب هذا كله يقف الاقتصاد الليبي كجرح مفتوح يعرف الجميع مكانه، جرح لم يلتئم لأن السياسة لم تسمح له بذلك، بلد غني بموارده لكنه فقير في إدارته لها، وكأن النفط الذي كان يومًا مصدر قوة تحول إلى عبء لأنه أصبح ورقة ضغط بدل أن يكون رافعة للتنمية. ومع ذلك، فإن الاقتصاد الليبي لم يفقد بعد قدرته على التعافي، فالمقومات موجودة، والفرص موجودة، لكن ما ينقص هو القرار الذي يضع مصلحة الناس فوق مصالح الأطراف، ويعيد الاعتبار للمؤسسات بدل الأشخاص، وللكفاءة بدل الولاء.
وبين السياسة والاقتصاد يقف المجتمع الليبي، ذلك المجتمع الذي تعب لكنه، لم ينكسر، مجتمع تشكل وعيه من التجربة لا من الكتب، من الخيبات لا من الشعارات، من السنوات التي علَّمته أن الاعتماد على الخارج وهْم، وأن انتظار الحل من فوق مضيعة للوقت، وأن التغيير الحقيقي يبدأ حين يقرر الناس أن زمن الفوضى يجب أن ينتهي، وأن زمن الدولة يجب أن يبدأ.
وهذا الوعي، رغم أنه غير منظم بعد، يشكل قوة صامتة تضغط على الجميع، قوة لا تظهر في الشوارع، لكنها تظهر في الكلام، في المزاج العام، في طريقة الناس في النظر إلى السياسيين، في رفضهم المتزايد للخطابات التي تستغل مشاعرهم ولا تقدم لهم شيئًا. ومع كل ذلك، لا يمكن فصل ليبيا عن محيطها، فالعالم يتغير، والمنطقة تتغير، وكل تحول يترك أثره على الداخل الليبي، سواء أكان ذلك دعمًا أم ضغطًا أم تجاهلًا.
لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن العالم يبدو أقل اهتمامًا بالصراعات، وأكثر انشغالًا بأزماته الخاصة، وهذا قد يمنح الليبيين فرصة لقيادة مسارهم بأنفسهم إذا امتلكوا الشجاعة الكافية لالتقاط اللحظة. ومع دخول عام جديد، تتداخل مشاعر الأمل بالحذر، فالأمل ليس رفاهية، بل ضرورة، لأن الشعب الذي صمد كل هذه السنوات يستحق أن يرى بارقة ضوء، والحذر أيضًا ضرورة، لأن الطريق ما زال طويلًا، ولأن القوى التي تستفيد من بقاء الوضع كما هو لن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها. ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تصر على التغيير تصل إليه مهما طال الزمن، وأن اللحظات الفاصلة لا تأتي فجأة، بل تتشكل ببطء، من تراكم الوعي، ومن إرادة الناس، ومن قدرتهم على تجاوز خلافاتهم حين يدركون أن الوطن أكبر من الجميع.
وفي النهاية، حين أنظر إلى ليبيا اليوم، أرى بلدًا يقف على حافة مفترق طرق، طريق يقود إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، وطريق يعيد إنتاج الفوضى بشكل آخر. وما سيحدد الاتجاه ليس قوة السلاح ولا صخب السياسة، بل وعي الناس وإرادتهم وقدرتهم على تحويل الألم إلى قوة والخيبة إلى درس والشتات إلى مشروع وطني جامع. ومع بداية هذا العام، أجدني أتمسك بفكرة واحدة: أن ليبيا، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على أن تنهض، وأن تفاجئ الجميع، وأن تكتب فصلًا جديدًا يليق بتاريخها وبحلم أبنائها بدولة عادلة وقادرة وموحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى