مقالات الرأي

فيلا الأندلس.. حين يُرسم مصير ليبيا خلف الأبواب المغلقة


بقلم: محمود امجبر


بينما كانت شوارع ليبيا تغلي بالغضب، وتتعالى هتافات المتظاهرين في مدنها المختلفة، كان هناك اجتماع مغلق يُعقد في إحدى الفلل الفاخرة بحي الأندلس في طرابلس. اجتماع جمع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بعدد من قادة المجموعات المسلحة والمستشارين الأمنيين، في محاولة يائسة لاحتواء ما لم يعد يُحتوى.
ما تسرب من كواليس ذلك اللقاء يكشف عن مشهد سياسي مأزوم، تتنازعه رؤيتان متناقضتان، كلاهما لا يرى في الشعب سوى خصم يجب إخضاعه، لا شريكًا في الوطن. الأولى، يقودها الدبيبة نفسه، وتدفع نحو الحسم الأمني المباشر، انطلاقًا من قناعة بأن “اللعبة انتهت” وأن القوة وحدها قادرة على فرض الأمر الواقع. أما الثانية، فيمثلها بعض من حلفائه، وتراهن على إشعال الفتنة بين المدن والمجموعات المسلحة، كوسيلة لتأجيل السقوط، لا لتفاديه.
المفارقة المؤلمة أن كلا الخيارين لا يحملان أي بُعد وطني أو رؤية إصلاحية. لا حديث عن الاستجابة لمطالب الشارع، ولا عن فتح أفق سياسي جديد، بل فقط عن كيفية البقاء في السلطة، ولو على أنقاض الدولة.
هذا الانقسام داخل معسكر السلطة لا يعكس فقط ارتباكًا في القرار، بل يكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها النخبة الحاكمة. فحين تصبح أدوات الحكم محصورة بين القمع أو الفوضى، فإننا لا نكون أمام سلطة، بل أمام مشروع هروب جماعي إلى الأمام، لا يملك من أدوات البقاء سوى العنف والتضليل.
في المقابل، لا يبدو أن الشارع الليبي مستعد للتراجع. فالمظاهرات التي تتسع يومًا بعد يوم، تعبِّر عن وعي جمعي جديد، يرفض إعادة إنتاج الفشل، ويطالب بقطيعة حقيقية مع منطق الميليشيات والمحاصصة والفساد.
المجتمع الدولي، بدوره، يراقب. لكن المراقبة وحدها لا تكفي. فالصمت عن أي محاولة لقمع المتظاهرين أو إشعال الفتن، سيكون بمثابة ضوء أخضر لمزيد من الانهيار. وعلى القوى الدولية أن تدرك أن حماية الاستقرار في ليبيا لا تمر عبر دعم سلطات مأزومة، بل عبر دعم إرادة الليبيين في التغيير.
إن ما جرى في فيلا الأندلس ليس مجرد اجتماع طارئ، بل هو مرآة تعكس عقلية سلطة فقدت صلتها بالواقع، وتصر على تجاهل صوت الشارع. لكن التاريخ علمنا أن الشعوب، وإن تأخرت، لا تُهزم. وأن من يراهن على القمع، إنما يكتب نهايته بيده.
ليبقى السؤال مفتوحًا: هل يتدارك صناع القرار اللحظة، أم يواصلون الانحدار نحو الهاوية، غير عابئين بثمن سيدفعه الجميع؟

زر الذهاب إلى الأعلى