الحرب التجارية العالمية وتأثيراتها على اقتصاد المنطقة

بقلم: عثمان الدعيكي
تمثل التوترات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين إحدى أبرز سمات عام 2025، إذ يشهد الاقتصاد العالمي، في ظل هذا الصراع بين أكبر اقتصادين في العالم، مرحلة دقيقة من التحول الهيكلي العميق. وفي هذا السياق، أقرت الصين تعديلات جوهرية على قانون التجارة الخارجية، من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ خلال شهر مارس/آذار 2026، في خطوة تعكس استعداد بكين لإدارة صراع اقتصادي طويل الأمد لا يقتصر على الرسوم الجمركية، بل يمتد إلى إعادة صياغة قواعد التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. وتهدف هذه التعديلات إلى تعزيز قدرة الصين على مواجهة الضغوط التجارية، وتشديد الرقابة على صادرات المعادن النادرة وسلع أخرى، مع الاستمرار في نهج الانفتاح الاقتصادي لاقتصاد يبلغ حجمه نحو 19 تريليون دولار.
ويأتي هذا التحرك في ظل تصعيد أمريكي تمثل في خطط لفرض رسوم جمركية إضافية على واردات صينية، خاصة في القطاعات التكنولوجية المتقدمة مثل أشباه الموصلات، وهو ما اعتبرته بكين استخدامًا غير مبرر للأدوات التجارية واستهدافًا لصناعاتها الوطنية. وقد أكدت الصين عزمها اتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحها، في دلالة على أن الصراع التجاري تجاوز طابعه المرحلي ليصبح صراعًا استراتيجيًّا على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.
وتعكس التعديلات القانونية الصينية تحولًا في فلسفة إدارة التجارة، حيث باتت التجارة الخارجية جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي القومي، وليس مجرد أداة للنمو. ومن خلال التحكم في صادرات المعادن النادرة، التي تهيمن الصين على أكثر من 60 % من إنتاجها العالمي ونحو 85 % من قدرات معالجتها، تمتلك بكين ورقة ضغط مؤثرة على الصناعات المستقبلية، بما في ذلك التقنيات الخضراء والبطاريات والسيارات الكهربائية والرقائق الإلكترونية، وهو ما يجعل أي تقييد في هذه الصادرات ذا تأثير مباشر على سلاسل الإمداد الدولية.
وعلى الصعيد العالمي، من المرجح أن يؤدي استمرار الحرب التجارية إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وزيادة الضغوط التضخمية، لا سيما في الاقتصادات المعتمدة على استيراد التكنولوجيا والمواد الخام. كما ستسهم هذه التوترات في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، مع سعي الشركات إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة، وهو ما قد ينعكس في تباطؤ النمو العالمي، حيث تشير تقديرات دولية إلى احتمال فقدان الاقتصاد العالمي ما بين 0.5 و1 نقطة مئوية من نموه خلال السنوات المقبلة.
أما الاقتصادات العربية، فستواجه تأثيرات متباينة، إذ ستتأثر الدول المستوردة بارتفاع أسعار السلع الوسيطة والنهائية، مما يزيد من الضغوط على الأسعار والقوة الشرائية، في حين قد تستفيد بعض الدول ذات الاستقرار النسبي والبنية التحتية المتقدمة من إعادة توجيه الاستثمارات العالمية، وإن ظلت هذه الفرص محدودة في ظل ضعف التكامل الاقتصادي العربي واعتماد معظم الدول على الاستيراد بدل الإنتاج.
وفي الحالة الليبية، تتضاعف آثار هذه التحولات بسبب هشاشة البنية الاقتصادية الناتجة عن الانقسام السياسي، وغياب التخطيط، وهدر الموارد العامة. ويعتمد الاقتصاد الليبي بشكل شبه كامل على الواردات، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية عبئًا مباشرًا على الدولة والمواطن، كما أن تقلبات التجارة العالمية قد تؤثر في الطلب على النفط، المصدر الرئيسي للإيرادات، بما يزيد من حالة عدم اليقين المالي.
ورغم أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يوفر إيرادات إضافية في بعض الفترات، فإن ضعف الحوكمة وغياب التنوع الاقتصادي يحولان دون تحويل هذه العوائد إلى نمو مستدام. كما تفتقر ليبيا إلى القدرات المؤسسية والبنية التحتية التي تمكنها من الاستفادة من التحولات في سلاسل التوريد العالمية.
وفي المحصلة، تعكس الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة انتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة العولمة المفتوحة إلى مرحلة أكثر حذرًا وانتقائية، تُعاد فيها صياغة قواعد التجارة وفق اعتبارات الأمن الاقتصادي. وبالنسبة إلى الدول العربية، وليبيا على وجه الخصوص، تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاحات هيكلية وتنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز الحوكمة، حتى لا تتحول الصدمات الخارجية إلى أزمات داخلية مزمنة، بل إلى فرص لإعادة بناء اقتصادات أكثر صلابة واستدامة.
