مقالات الرأي

ابستين.. ظل العدم


بقلم / عفاف الفرجاني


هزَّت فضيحة جيفري ابستين العالم، ليس لأنها كشفت شبكة استغلال جنسي فحسب، بل لأنها عرت ازدواجية أخلاقية عميقة لدى نخب سياسية وإعلامية طالما تشدقت بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان والطفل والمرأة. ففي الوقت الذي كان فيه هذا الخطاب يقدم للعالم بوصفه معيارًا أخلاقيًّا متفوقًا، كانت جزيرة معزولة تتحول إلى مسرح لجرائم اغتصاب واستغلال ممنهج للقاصرين، في ظل صمت مريب وحماية نافذة.
لم تكن جزيرة ابستين، المعروفة باسم (ليتل سانت جيمس) مجرد عقار خاص في البحر الكاريبي، بل كانت نموذجًا لانحراف القوة حين تنفصل عن المساءلة. شهادات الضحايا، والتحقيقات الصحفية، والملفات القضائية اللاحقة، كشفت عن شبكة علاقات ضمَّت سياسيين ورجال أعمال وشخصيات مؤثرة، تحركت جميعها داخل منظومة حصانة غير معلنة، حيث يشترى الصمت بالمال، وتدفن الجرائم تحت ثقل النفوذ. الأخطر في هذه القضية ليس وقوع الجريمة فقط، بل استمرارها لسنوات رغم البلاغات ورغم علم جهات رسمية بحقيقة ما يجري. وهنا يطرح السؤال السياسي الأكثر إحراجا، كيف لمنظومة تدعي حماية الطفل والمرأة أن تعجز عن وقف جرائم بهذا الحجم؟ وكيف يتحول خطاب حقوق الإنسان إلى أداة انتقائية تستخدم ضد الخصوم، بينما يتم تعطيله حين يقترب من دوائر القوة والنفوذ؟
لقد كشفت قضية جينيفر أن مفهوم الحريات في الخطاب الغربي السائد ليس قيمة إنسانية مطلقة، بل خطاب سياسي مشروط بالمصلحة. فالطفل الذي يغتصب في جزيرة خاصة لا يحظى بالضجيج نفسه الذي يرافق بيانات الإدانة حين تخدم الحقوق أجندات سياسية دولية. والمرأة التي تستغل وتنقل وتستخدم لا تجد العدالة حين يكون الجناة جزءًا من نخبة محصنة سياسيًّا وإعلاميًّا.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الذاكرة السياسية القريبة، حين تعرضت ليبيا عام 2011 لعدوان دولي واسع تحت لافتة حقوق الإنسان وحماية المدنيين. يومها روجت روايات خطيرة عن اغتصابات ممنهجة نسبت إلى الجيش الليبي، واستعملت كذريعة أخلاقية لتدمير دولة بكاملها، وشن عدوان شاركت فيه 48 دولة، قبل أن تتبين لاحقًا براءة ليبيا، وعدم تسجيل حالة اغتصاب واحدة مثبتة ضد الجيش الليبي، وفق تقارير أممية جرى تجاهلها عمدًا.
لقد جرى توظيف خطاب حماية حقوق الإنسان، بطريقة انتقائية خلقت فوضى مفاهيمية خطيرة، اختلط فيها الحابل بالنابل، وسقط فيها الفارق بين الحق المشروع والانفلات المقصود. تحت هذا الغطاء، جرى تفكيك المجتمعات لا حمايتها، وتدمير منظومات الدولة لا إصلاحها، وترك الإنسان عاريًا أمام الفوضى باسم الحرية. وفي تلك النقطة البعيدة عن عدسات الإعلام، مورست أبشع أشكال القمع والاعتداء الإنساني، من استغلال واغتصاب واتجار بالبشر وانتهاك للطفولة والكرامة، وموت عبثي لناس لم يتم العثور عليها أصلًا، جرائم لم تشهدها البشرية بهذا الشكل المنظم والمحصن بالنفوذ. المفارقة الصادمة أن كل ذلك جرى داخل منظومات تدعي التفوق الأخلاقي، وتمنح نفسها حق الوصاية على شعوب أخرى، بينما عجزت عن حماية الإنسان داخل حدودها.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل نظرت تلك الدول يومًا إلى نفسها؟ وهل راجعت ما يجري داخل منظوماتها السياسية والاقتصادية، أم أن القيم لا ترفع إلا حين تستخدم عصا ضد مجتمعات بعينها؟
إن ضعف المنظومة السياسية والإعلامية العربية، وهشاشتها وخوفها من مواجهة السردية الغربية، سمح بتحويل حقوق الإنسان من قيمة كونية إلى أداة ابتزاز سياسي. ولهذا، فإن فضيحة ابستين لا تكشف فقط جريمة أخلاقية، بل تفضح منظومة كاملة تتاجر بالقيم، وتستعمل حقوق الطفل والمرأة حين تخدم مصالحها، وتتخلى عنها حين تقترب من مراكز القوة.
ثم جاءت نهاية ابستين الغامضة داخل زنزانته لتغلق الأبواب بدل أن تفتحها. موت أراح شبكة كاملة من المساءلة، وعمق الشكوك حول قدرة النظام القضائي على ملاحقة أصحاب النفوذ الحقيقيين. في تلك اللحظة، لم تمت الحقيقة فقط، بل سقط معها وهم العدالة المتساوية.
فضيحة ابستين ليست حدثًا جنائيًّا معزولًا، بل مرآة سياسية تكشف نفاق خطاب الحريات حين يفرغ من مضمونه الأخلاقي. وهي تذكير قاس بأن هذه القيم، إذا لم تُحمَ بالمحاسبة، تتحول إلى أداة قمع ناعمة تستخدم ضد الشعوب الضعيفة، لا درعًا لحماية الإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى