لا عاصم إلا المقاومة

بقلم/ ناجي إبراهيم
التاريخ ليس مجرد أحداث ووقائع تكتب لتوضع في أدراج الكتب، أو أثر تركه من سبقونا لنزين به المتاحف، بل هو مسيرة ممتدة ومتواصلة وفق قانون الأنثروبولوجيا والديموغرافيا يحملنا إلى حاضرنا أو نحمله إلى أجيالنا التي لم تكن جزءا منه ولم تكن طرفًا فيه ولم تشترك في أحداثه ليخبرها ببدايات تشكلهم المعجونة بالماء والطين والدم، يحكي لنا حضارات سادت تم بادت وكيف سادت ولماذا بادت؟
وهو يصيغ لنا قوانين العلاقات المجتمعية والدولية التي كذبوا علينا عندما قالوا إنها تخلت عن نظرية القوة، وكما يحاولون إقناعنا اليوم أن الدبلوماسية هي مفتاح السلام الوحيد والوصفة السحرية لتحصين الأوطان ضد الأطماع والمخططات الاستعمارية، تمامًا مثلما نصبوا لنا فخا في سان فرانسيسكو وقالوا إنهم يسعون إلى خلق عالم جديد خال من الحروب تتساوى فيه الدول كبيرها وصغيرها، ينبذ العنف واستخدام القوة لحل النزاعات، وحلمنا بعالم يسوده السلام والوئام، رغم الكم الهائل من الألغام التي خلفتها الدول التي أسست لفرانسيسكو في جميع أنحاء العالم الذي وطأته أقدام جنودها، ولم تكن تلك الألغام إلا بوابات أخرى سيدخلون منها لمناطق مهمة واستراتيجية في العالم، بعد أن يلتقطوا أنفاسهم ويعيدوا تعبئة مواردهم الاقتصادية والعسكرية، لم يغيروا فكرهم وعقيدتهم المبنية على الهيمنة والتوسع، بل أحدثوا تغييرا وتحديثا لأدواتهم، ليعودوا بأقل الأثمان، مستفيدين في ذلك من التاريخ.
القراءة الواعية للتاريخ هي ما يعطينا تفسيرا وفهما عميقا لكل الأحداث التي تجري في منطقتنا، وما العلاقة التي تربطها بما يجري في أوكرانيا وبحر الصين والكاريبي.
الحرب ليس كما يسوق لها عبر تصريحات السياسيين ووسائل الإعلام، بل هي إعادة لرسم خريطة العالم بما يخدم المصالح الجديدة والمتوقعة للدول الغربية ما يضعها في مواجهة مع الصين وروسيا والبريكس، أما نحن فسنكون ساحة هذه المواجهات التي سيتم حسمها فوق أرضنا.
سايكس بيكو من التاريخ، بالأمس كانت سياسة استعمارية ترسم في الغرف المظلمة وبأقصى درجات التكتم، وكانت اللغم الذي وضع في المنطقة العربية لتشعل الحروب والنزاعات وتعطل المشروع العربي الوحدوي، ويجري الحديث في الدوائر الغربية اليوم عن عدم صلاحيتها وأنه سيجري تعديلها بما يتلاءم مع المخططات الجديدة التي بالتأكيد قد أعدت في سنوات سابقة للإعلان عنها.
وبدأت تتكشف ملامح هذا المشروع الجديد الذي أعلنت عنه كونداليزا رايس تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة، جميع محاولات التفكيك التي تجري لدول سايكس بيكو ينبئ بأن عمليات التركيب ستتم بما يخالف المخطط القديم الذي قالوا إنه لم يُعد صالحًا مع التوجهات الجديدة.
هل سنصبر لنرى؟ وما مشاريعنا نحن لمواجهة مشروعهم؟ لا نقول سنهزمه، ولكن قد نعطله.
لا مشاريع في الأفق لمواجهة المشروع الاستعماري لإعادة رسم خرائط المنطقة من جديد، وعلى العكس تمامًا نشهد تسليما كاملا للمشروع، بل نرى مدرجات المصفقين تمتلئ، والنائمون فوق الأرصفة يتزايدون، وكل المعطيات تشير إلى أن الخطر ليس محتملا بل واقعًا.
بقدر ما يمدنا التاريخ بأمجاد في فترات هزمنا فيها مكره يذكرنا بخيبات انتصر فيها مكره علينا، نقول هذا وشعوبنا تعيش حلقة أخرى من حلقات المكر مكبلة بمعطيات الحاضر الذي يشهد حملة جديدة وشرسة تقودها نفس القوى التي أوجدت سايكس بيكو ليكون بوابتها للعودة، ولكن هذه المرة بخرائط جديدة ستحفر فيها ممرات لم توفرها لهم سايكس بيكو القديمة، رغم أنها نجحت في تعطيل المشروع القومي، بل قضت عليه، لكنها فشلت في منع ظهور قيادات قومية كعبدالناصر ومعمر القذافي وصدام حسين وهواري بومدين شكلوا خطرا على المشروع الاستعماري وعملوا على تقويضه وكانوا السند والداعم لقضايا التحرر وخاصة القضية الفلسطينية، وقد واجهت هذه القيادات على مدى نصف قرن حملة من الشيطنة ومحاولات محمومة للقضاء عليهم حتى تم لهم ذلك، وكان آخر جدار تستند عليه المقاومة العربية ويوفر لها الدعم والملاذ هو النظام القومي البعثي في سوريا، عملوا بكل إمكانياتهم ودعم من النظم الخليجية البترولية على هدمه لتصبح المقاومة بلا ظهر يسندها ويحميها Kوباتت اليوم وبعد نجاح مؤامرة ما يسمي الربيع العربي جميع الحصون مشرعة الأبواب أمام الغزاة، وصار الطوفان يغمرنا ولا عاصم منه اليوم غير المقاومة ولو بأظافرنا.
