مقالات الرأي

حوار الطرشان


عبدالله الربيعي


من خلال متابعة ما يُنشر على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي من حوارات ونقاشات، من تبرير وتضليل يصل إلى درجة الكذب الواضح الجلي، وبالرجوع إلى الخطاب الإعلامي لمؤامرة فبراير في 2011 من مختلف الشرائح التي انضمت إلى جوقة فبراير من مشايخ دين إلى إعلاميين من مختلف التيارات؛ ليبراليين، ملكيين، إسلاميين، أصحاب مصالح وأجندات مخفية، كل هذا الخطاب الإعلامي يبين لنا وبوضوح أن الليبيين شعبان ومن طينتين مختلفتين تمامًا، طينة جُبلت على المقاومة والتضحية وطينة أخرى متعاونة مع الأجنبي الغازي تاريخيًا، تستمد قوتها وشرعية وجودها من التعاون والاستقواء بالأجنبي وصفتها ذات مرة بالعهدة المستديمة للاستعمار.
هذا الفريق من الليبيين كان دائمًا يستمد قوته ووجوده من الأجنبي المحتل، حيث منحه الألقاب الباشا والبي والمدير والشيخ، من التركي العثماني الذي احتل بلادنا لأكثر من أربعة قرون باسم الخلافة الإسلامية، ومن المستعمر الإيطالي الذي قتل وهجر نصف الشعب الليبي، ثم من البريطانيين والأمريكان في حقبة حكم الإدارات والانتداب وحكم الملكية أي من 1942 إلى 1969، فهؤلاء الذين تشربوا ثقافة التبعية وتقديم الولاء لأسْيادهم نظير أن يكونوا حكامًا وجندرمة ومخبرين وكتبة تقارير عن الشق الآخر من الليبيين المقاومين، فهؤلاء عهد الحرية والاستقلال والسيادة ينظرون له بازدراء وأنه عهد ناقص وعهد دكتاتوري ومتخلف، ليس لأنه متخلف ودكتاتوري وناقص حقًا، ولكن لأن معايير العملاء والمستقوين بالأجنبي تختلف كليًا عن معايير الليبيين الوطنيين المعتزين بذاتهم والفخورين بأصالتهم وهويتهم العربية الإسلامية، ولهذا انقسمنا إلى فسطاطين وجانبين مقاومين وتابعين مستقوين بالآخر، صف مقاومة وصف خانع وتابع، وهذا الانقسام عميق في الثقافة والسلوك السياسي الليبي.
لقد اتضح هذا الانقسام العميق في مقاومة حلف الأطلسي ودول التحالف في هجومها على ليبيا، فبينما يرى المقاومون أن الصراع مقاومة للاستعمار وليس صراعًا داخليًا على السلطة، رأى صف الخنوع والتبعية، الذي تجذر في وعيه وسلوكه الاستقواء بالأجنبي، أن ذلك طبيعي وعادي، بل برره بعضهم بمنحة إلهية سخرها الله لهم، وآخرون شبهوا طائرات الناتو التي تقصف في ليبيا والليبيين بطير الأبابيل التي نزل ذكرها في القرآن الكريم لدور أبرهة الحبشي وهو يهم بتدمير بيت الله الحرام في جزيرة العرب، ولم يكن هذا التبرير ابتداعًا في 2011، فلقد قدم أسلافهم سيف الإسلام لموسوليني عندما زار ليبيا عام 1935 اعتزازًا بدوره في احتلال ليبيا وقتل وهجر نصف سكانها، سبق ذلك زيارة الأمير إدريس السنوسي لروما عام 1920 حيث منح لقب الأمير على برقة الداخلية أجدابيا والواحات والكفرة نظير حل أدوار الجهاد والاستسلام للحكومة الإيطالية، وآخرون من صف الخانعين سيروا بفرق مليشيات مساندة لقوات الاحتلال.
ولم يجد الصف المتخاذل، الذي دائمًا يتكئ على الأجنبي، في تبرير استمرار احتلال ليبيا من طرف المتدخل الخارجي بعد إعلان الاستقلال، إلا بتأجير الأراضي الليبية الطاهرة لقواعد ومعسكرات بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في شرق البلاد وغربها تحت دعوى أن ليبيا فقيرة وميزانيتها تحتاج إلى مليون جنيه إسترليني وملايين الدولارات الأمريكية ومساعدات غذائية لا تسمن ولا تغني من جوع. فهؤلاء الذين عاشوا واستمروا في التبعية والقوة والسلطة والجاه والألقاب من الأجنبي، كيف لصف المقاومة أن يجد معهم قاسمًا مشتركًا للحوار؟ فالهوة متباعدة، والثقافة والسلوك متباينان إلى حد التطرف، واللغة مختلفة، والمعايير الأخلاقية متناقضة، فكيف في ظل هذه البيئة والظروف نجري حوارًا منتجًا أو نصل إلى صيغة تفاهم أو قواسم مشتركة لحل الأزمة الطاحنة التي تنهش جسم بلادنا والصراع على أشده بين مفهومين متناقضين لا يحسمه إلا القوة لاستئصال العدو الخارجي وتدخله السافر، ويقمع ثقافة الاستقواء به والاتكاء عليه ويجرم الخيانة، ويقوي صف المقاومة ويعزز ثقتها بنفسها في تقرير مصيرها وحماية استقلالها وسيادتها.

زر الذهاب إلى الأعلى