مقالات الرأي

الانكشاف المعرفي نحو الخارج – الجزء الثاني – الانكشاف الثقافي


موسى الأشخم


تناولنا في الجزء الأول التعريف بالانكشاف المعرفي نحو الخارج والعوامل المؤدية إليه، وركزنا على التدفق الإعلامي في اتجاه واحد من الخارج إلى الداخل، وبينا مدى أثره على هشاشة الدولة وخطورته على الهوية الوطنية والحضارية للشعوب المعرضة لمثل هذا التدفق، ذلك أنها ستتعرض لعملية استلاب معرفي تجاه الغالب حضًاريا ومعرفيًا وابن خلدون يقول إن المغلوب مولع بتقليد الغالب. وننتقل هنا لتناول الانكشاف التعليمي والثقافي الذي يعزز ما ذهبنا إليه من تعزيز هشاشة الدولة وطمس هويتها الوطنية والحضارية. والمتمثل في:
أولًا: التدفق التعليمي في اتجاه واحد:
على الرغم من وجود مدارس وجامعات في بلدان نصف الكرة الجنوبي تشتمل على أقسام للدراسات العليا تمنح الماجستير والدكتوراه، فإن المادة العلمية بما تتضمنها من نظريات وقوانين علمية جميعها متدفقة من الخارج باستثناءات قليلة لا تتجاوز عادة اللغة الوطنية والمواد المتعلقة بالمعتقدات والشرائع الدينية، وقد يضاف إليها الجغرافيا والتاريخ الوطني. وهو ما يعني تعرض تلك البلدان لانكشاف معرفي نحو الخارج. ولعل ما يساهم في اتساع رقعة هذا الانكشاف استعارة المنهجيات الغربية على نحو عام، وعند تدريس اللغة الوطنية والدين والجغرافيا والتاريخ الوطني على نحو خاص، بل وقد تصل درجة التبعية المعرفية للبلدان النامية إلى الحد الذي يصبح فيه الباحث والدارس يرى نفسه ووطنه وتاريخه الوطني بعيني الغربيين لا بعينيه، فيردد ما قاله المفكرون الغربيون عن لغته وجغرافية بلده وتاريخه الوطني والحضاري ورموزه الوطنية! وبلادنا ليست استثناءً من هذا التدفق المعرفي والتعليمي من الخارج والخارج الغربي والإمبريالي بالذات، وجل المحاضرين في جامعاتنا بل وحتى مدرسي التعليم الإلزامي الذين لم يتتلمذوا على أيدي الغربيين ولم يغادروا مقاعد الدراسة في ليبيا، ينظرون للأسف إلى قضايانا بعدسات زرقاء لا تفشل في تشخيص مشاكلنا وقضايانا فحسب، بل وتحط من قدرنا وقدر لغتنا ومن قدر بلادنا وتاريخها وجغرافيتها، بل وتحط حتى من قدر ديننا وحضارتنا. فتنشئ جامعاتنا ومدارسنا جيلا مولعًا بتقليد الغالب حضاريًا كما قال ابن خلدون ومولع من ثم بتدوير أو “رسكلة” منظوماته الفكرية والمعرفية، وهو ما يجعل الأجيال الجديدة إن لم نقل حتى السابقة لها منكشفة معرفيًا تجاه الخارج الغالب حضاريًا، بل وقد تمسي مجرد كتائب صدام حضاري أمامية لمصلحة الحضارة الغربية.
ثانيًا: التدفق الثقافي من جانب واحد:
تعاني البلدان النامية عمومًا والبلدان العربية والإسلامية خصوصًا من انكشاف ثقافي في منتهى الخطورة، ويتضح ذلك من تباين حجم ما يصدر من كتب ومواد ثقافية بين البلدان الغربية ومستعمراتهم السابقة في نصف الكرة الجنوبي؛ حيث تقول التقارير إن الولايات المتحدة وحدها تنشر 85000 كتاب سنويًا في حين لا تصدر البلدان العربية كمثال عن دول الجنوب سوى 1650 كتابا سنويًا، ومعدل قراءة الفرد العربي ربع صفحة سنويًا بينما يصل معدل قراءة الفرد الأمريكي 200 ساعة سنويًا، ناهيك عن أن جل الكتب التي يقرؤها العرب مترجمة عن اللغات الأوربية، كما تشير بعض الدراسات إلى أن أكثر من 75% من البرامج والمسلسلات التي تعرضها القنوات الفضائية في نصف الكرة الجنوبي مورد من الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا، فضلا عن انتشار ظاهرة مشاهدة القنوات الغربية نفسها في تلك البلدان، وبلادنا للأسف ليست استثناءً من ذلك. وهو ما يعزز الانكشاف الثقافي للبلدان النامية ومن ضمنها بلادنا على الخارج ذي الماضي الكولنيالي والحاضر الإمبريالي.
ثالثًا: التدفق السلعي في اتجاه واحد:
قد يقول قائل إن السلع لا تنتمي للمعرفة، وحري بنا تناولها في الانكشاف الاقتصادي نحو الخارج، غير أننا هنا معنيون بالبعد المعرفي أو الثقافي للسلعة؛ فالسلعة الموردة ليست أداة محايدة، بل تنقل إلينا ثقافة صانعها أو ثقافة البيئة التي صُنعت فيها، وتساهم من ثم مساهمة فعالة في إذعان مستهلك السلعة لثقافة ومنظومة التفكير السائدة في البيئة المنتجة لها. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن دور الهامبرغر وسراويل الجينز وسيارات الشيفرولية وطائرات البوينج في الغزو الثقافي للشعوب المستضعفة وفي جعلها تذعن للهيمنة الأمريكية، أقوى تأثيرا من صواريخ كروز والتوماهوك والقنابل الذكية! ولقد نقل لنا الجبرتي المؤرخ المصري كيف أن نابليون إبان غزوه لمصر أحضر معه خبراء ومختصين في الكيمياء وعلوم الطبيعة، وجمعوا المصريين وقدموا لهم بعضا من تجاربهم العلمية التي وقف إزاءها الأهالي في القاهرة مبهوتين، وتعاملوا معها تعاملهم مع ألعاب السحرة، وكانت لها تأثير كبير على إقناع المصريين بالتفوق الغربي أو التفوق الفرنسي والإذعان له. ومن هناك فإن التدفق السلعي في اتجاه واحد نحو الداخل يُعد أحد أقوى عوامل وأدوات الانكشاف المعرفي والثقافي للدولة أو الأمة تجاه الخارج.
وتعملكافة هذه العوامل وما في حكمها على تعزيز هشاشة الدولة تجاه التحديات الخارجية، وهو ما يقتضي منا العناية الكاملة بمعالجتها وذلك ببناء قدرات تعليمية وثقافية، وتقنية، تقلل من التبعية المعرفية والثقافية والإعلامية للخارج على النحو الذي يقوي الدولة الوطنية، ويعزز مناعتها تجاه الخارج عموما وتجاه القوى الغربية المتربصة بنا خصوصًا.

زر الذهاب إلى الأعلى