مقالات الرأي

إلى الأمام اقتصاد بنظامين متناقضين!


مصطفى الزائدي


ظهر القطاع العام كركيزة أساسية في النظم الاقتصادية مع انتصار الثورة البلشفية في روسيا، باعتباره الأداة الرئيسة لتطبيق الاقتصاد الشيوعي، القائم على مبدأ: «من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته». وقد افترضت النظرية الشيوعية أن تراكم الإنتاج سيقود إلى الوفرة، ومنها إلى الازدهار، بما يحقق توزيعًا عادلًا للثروة ويكسر احتكار فئة قليلة للنشاط الاقتصادي على حساب أغلبية تعيش الفقر.
سعت الدولة الشيوعية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر مجانية التعليم، بما يتيح فرصًا متكافئة لجميع المواطنين، وتنظيم منظومات الرعاية الاجتماعية والصحية لضمان حصول الجميع على الخدمات الأساسية دون تمييز. وقد نجحت دول الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وعدد من الدول الأخرى، في بناء منظومة عدالة اجتماعية في مجالات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي، إلا أنها أخفقت في خلق بيئة إنتاجية قادرة على منافسة الدول الرأسمالية. فالأعباء المالية الضخمة لتلك الخدمات المجانية، إضافة إلى ضعف الحوافز الإنتاجية، حالت دون تحقيق الوفرة التي بشَّرت بها النظرية.
كما واجهت المنظومة الشيوعية ضغوطًا خارجية كبيرة، أبرزها التهديدات العسكرية وسباق التسلح والحملات الدعائية، ما استنزف مواردها وفاقم أزماتها الداخلية.
في دول العالم الثالث، جرى تبنِّي نموذج اقتصادي هجين يجمع بين القطاعين العام والخاص، على أمل تحقيق التكامل بينهما. غير أن الواقع كشف عن فشل مزدوج؛ إذ نما القطاع الخاص نموًّا طفيليًّا على حساب القطاع العام، بينما بقي الأخير مثقلًا بالبيروقراطية والفساد، دون تحقيق شراكة حقيقية أو إنتاج فعَّال.
في ليبيا، وبعد الاستقلال وخلال فترة ثورة الفاتح، اضطلع القطاع العام الممول أساسًا من النفط بالدور الرئيس في التنمية، وتوفير التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، إضافة إلى إدارة قطاعات الزراعة والصناعة والنقل. ورغم محاولات التشكيك، حققت البلاد -آنذاك- قفزة نوعية في مستوى معيشة المواطنين، والغذاء، والتعليم، والضمان الاجتماعي.
غير أن أحداث 2011 أدخلت الدولة في حالة فوضى عارمة، كان القطاع العام أكبر المتضررين منها. انهارت منظومتا التعليم والصحة، وتعطل الإنتاج، ودُمرت العديد من المشروعات الصناعية والزراعية، بما في ذلك صناعات متوسطة كالإلكترونيات والأدوية واللدائن.
في المقابل، لم ينجح القطاع الخاص في إقامة مشروعات إنتاجية حقيقية، بل اتجه في معظمه إلى المضاربة والتهريب والاعتمادات الوهمية. كما فشل في تقديم بديل فعلي في مجالي التعليم والصحة، وتحول -في أحيان كثيرة- إلى عبء إضافي، يتسم نشاطه بالفوضى وغياب المعايير، باستثناءات محدودة جدًّا. ودخل بعض المستثمرين هذه القطاعات لأغراض مشبوهة، من بينها غسل الأموال المتأتية من أنشطة غير مشروعة.
تُضاف إلى ذلك إشكالية خطيرة تتمثل في الأثر الطبقي للتعليم والصحة الخاصين. فلو افترضنا –جدلًا– تفوق مخرجات القطاع الخاص، فإن المجتمع سينقسم مستقبلًا إلى فئتين: خريجي قطاع عام ضعيف، وخريجي قطاع خاص متميز، بما يكرّس انقسامًا اجتماعيًّا وصراعًا طبقيًّا يهدد السلم الاجتماعي.
أما فكرة المزاوجة بين القطاعين العام والخاص، فهي في الواقع وهمية، لأن القطاعين متناقضان في الأهداف والوسائل. ففي بعض الدول العربية وحاليا ليبيا يروَّج لما يُعرف بالمدارس “الدولية”، التي تقدم مناهج هجينة تجمع بين المناهج المحلية والأجنبية، ما يرهق الطلبة ويؤدي في الغالب إلى مخرجات تعليمية دون المستوى المتوقع، رغم التكاليف الباهظة. وينطبق الأمر ذاته على القطاع الصحي الخاص، الذي يدِّعي استقدام خبراء أجانب دون ضوابط واضحة أو تقييم حقيقي لكفاءاتهم.
إن العدالة الاجتماعية تقتضي أن تكون خدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية متاحة للجميع على قدم المساواة، ولا يتحقق ذلك إلا عبر قطاع عام فعَّال ومتطور. غير أن هذا القطاع يعاني من إدارة بيروقراطية مترهلة، وفساد واسع، وفوضى مؤسسية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الشفافية والمساءلة.
يمكن القول بموضوعية إن القطاعين، العام والخاص، عاجزان في ليبيا عن تحمل أعباء التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وتقديم خدماتها في الحد الأدنى ويحتاجون إلى إصلاح جذري. والمشكلة لا تكمن في نقص التمويل فقط، بل أساسًا في سوء الإدارة. فالدولة تنفق أموالًا طائلة دون رقابة، والمواطنون ينفقون بدورهم مبالغ كبيرة على العلاج والتعليم داخل البلاد وخارجها، دون نتائج تُذكر.
الحل يكمن في التفكير خارج الصندوق وبعيدًا عن الأطر التقليدية، وبدون عناد ومكابرة وبيع الأوهام.
على الدولة لمعالجة أزمة التعليم والصحة تبنِّي نماذج إدارية مبتكرة، حيث تُدار فيها المؤسسات العامة على أسس اقتصادية حديثة تشبه إدارة القطاع الخاص، مع الحفاظ على أهدافها الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص. وتتولى الدولة تمويل غير القادرين مقابل الخدمة، لا عبر موازنات مفتوحة تُهدر دون رقابة.
غير أن طرح مثل هذه الأفكار يواجه عقبتين أساسيتين: الأولى سيطرة اللصوص الفاسدين على مفاصل الدولة، بما يهدد مصالحهم ويقفل أمامهم أبواب كسب كانت مشرعةً، والثانية هيمنة عقليات تقليدية عاجزة عن تجاوز أفكار الماضي والإقدام على إجراءات ثورية جريئة.

زر الذهاب إلى الأعلى