أمامنا خياران

بقلم/ د. محمد جبريل العرفي
تعيش ليبيا الحالة العراقية؛ حيث تفككت مؤسسات الدولة بعد إسقاط النظام 2003، وتغوَّلت الميليشيات لتمارس النهب، وتدمِّر المنشآت الاقتصادية والخدمية، كما نشبت الصراعات الطائفية والإثنية، ورُهنت الإرادة الوطنية للأجنبي.
إن الحالة الليبية حتمًا ستتغيَّر؛ فإمَّا أن تنزلق لوضعٍ الصومال بعد الإطاحة بالرئيس الاشتراكي سياد بري، حيث انهارت المؤسسات، وانتشرت الفوضى، وتفتَّتت البلاد لأربعة كيانات متناحرة، وأصبحت مكبًّا للنفايات النووية، وملاذًا للمتطرفين، وساحةً للنفوذ الأجنبي، فيما تُنهب ثرواتها ويعيش أهلها الضنك والخوف، هذا إذا استمرت سيطرة النهابين والعملاء والتنظيمات المتطرفة، التدخل الأجنبي.
أما النهج الفيتنامي؛ حين برزت قيادة للمقاومة ضد الاحتلال، وضد العملاء ودعاة الانفصال، فاستطاعت أن تهزم أقوى الجيوش. كانت المقاومة مشروعًا للتحرير والوحدة والعدالة الاجتماعية، ووسيلة لقطع طريق الاحتكار والاستغلال والفساد، فيتنام الآن موحدة مزدهرة.
ليبيا عند مفترق طرق، ويتحدد مستقبلها بين الخيارين: إمَّا الانزلاق إلى «صومال جديد» وإمَّا انتهاج المقاومة الفيتنامية، لتعود البلاد إلى أهلها.
وسيتحدد الخيار بقدرة الليبيين على الالتفاف حول مشروع وطني حقيقي يعيد إلى الدولة هيبتها، وإلى المواطن كرامته.
فالثورة هي صُنع «المستحيل»، بينما «الممكن» تصنعه الكثرة. ففي عام 1969 فجَّر الليبيون ثورةً أزاحت حكم العمالة، وحققت السيادة والكرامة والعدالة الاجتماعية، وفي عام 2014 قاموا بثورة اجتثَّت الإرهاب، وبسطت هيبة الدولة على ثلاثة أرباعها، وكادت تفتك بالباقي من الميليشيات والنهابين، لولا التدخل الخارجي، والمواقف المتخاذلة للمضحوك عليهم.
ولنجاح المقاومة شروط؛ أولها أن تعود القوات المسلحة إلى معسكراتها في كامل التراب الليبي، لتؤدي واجبها في حماية الوطن وإرادة مواطنيه. وثانيها حاضنة اجتماعية يعبئها إعلام ملتزم، يواجه خطاب العمالة، ويدافع عن تاريخ البلاد ورموزها وثقافتها ومستقبل أجيالها. وثالثها عدالة تصالحية ترقِّع النسيج الاجتماعي، ورابعها مشروع عدالة اجتماعية يدفع الناس إلى التضحية من أجله.
وجب التذكير بسقف الوعي المبكر، الذي تجلَّى في مظاهرة بنغازي بتاريخ 5/7/2020، حين أعلنوا بوضوح أن الحل الجذري والمقبول والدائم هو ما يتوافق عليه الليبيون، دون إقصاء أو استقواء، دون تدخل خارجي. وقد حدَّدوا سبع ضمانات للنجاح، هي: طرد الغزاة، ودحر الإرهاب، وتفكيك الميليشيات، وبسط سيادة الدولة، وفرض هيبة القانون، ونشر الأمن، وتحقيق الاستقرار؛ وهذا لن يتحقق إلا عبر القوات المسلحة الوطنية، ولتصبح جيش تحرير.
