حضارة الموتى فوق جثث الأحياء

عفاف الفرجاني
جميل أن ترى بلادك وهي تنهض، أو تحاول أن تنهض. جميل أن يُفتح المتحف الوطني الليبي، ذلك المكان الذي تختزن جدرانه كل تراثنا وآثارنا، تاريخنا وماضينا، وتعاقب الحضارات التي مرَّت من هذه الأرض وتركت شواهدها في الحجر والذاكرة. جميل أن يعود متحف هو مرآة الهوية الليبية، ودليل على أن ليبيا لم تكن يومًا فراغًا، بل دولة لها عمق حضاري وإنساني. هذا، من حيث المبدأ، طرف ثقافي مهم، ولا يمكن لعاقل أن ينكره أو يقلل من قيمته.
لكن الثقافة لا تعيش في الفراغ، ولا يمكن فصلها عن السياق العام الذي يعيش فيه الناس. فحين تتحول الثقافة إلى حدث معزول عن الواقع الاجتماعي والصحي والاقتصادي، فإنها تفقد معناها، وتتحول من مشروع وطني جامع إلى مشهد بروتوكولي فاخر، جميل في الصورة، قاسٍ في الدلالة. الثقافة لا تُقاس بالإضاءة وعدد المدعوين، بل بقدرتها على أن تكون جزءًا من حياة الناس، لا غطاءً فوق أوجاعهم.
افتتاح المتحف الوطني في طرابلس، داخل السرايا الحمراء، لم يكن افتتاحًا بسيطًا. كان حدثًا ضخمًا رافقته استضافات، ووفود، وشخصيات عربية ودولية رفيعة المستوى، وإعلام، وبروتوكول، وترتيبات لوجستية يُقدَّر أنها كلفت ملايين الدولارات بين ترميم وتجهيز وتنظيم واستضافة. المشكلة هنا ليست في الافتتاح ذاته، بل في منطق الأولويات، وفي غياب أي كشف حساب رسمي وواضح للرأي العام.
وهنا يفرض السؤال نفسه بلا مجاملة، هل أخبرتم ضيوفكم، الذين دُفعت لهم مئات الآلاف من الدولارات، عن معاناة هذا الشعب؟ هل خرجوا من القاعات المغلقة والفنادق الفاخرة ليروا طرابلس الحقيقية؟ هل سِرتم بهم في الأزقة الخلفية والشوارع المتعبة؟ هل وقفوا أمام المصارف ليروا مواطنًا ينتظر بالساعات ليستجدي ألف دينار من معاشه؟ هل دخلوا المستشفيات العامة حيث المرضى يبحثون عن دواء مفقود، أو جهاز معطل، أو تحويل مؤجل؟ هل شاهدوا مرضى الأورام وهم يساومون على أعمارهم بين علاج ناقص وسفر علاجي مهين، أم أن ليبيا التي قُدمت لهم كانت نسخة مصقولة، معقمة، مفصولة عمدًا عن وجع الناس؟
الأرقام الصحية وحدها تفسر الغضب. آلاف الإصابات الجديدة بالأورام سنويًّا، نسب وفيات مقلقة، منظومة صحية هشة، ونقص مستمر في الأدوية والتجهيزات. وفي المقابل يعيش المواطن على سقف سحب مهين وأزمة سيولة خانقة، في بلد تُنفق فيه المليارات دون ميزانية موحدة أو شفافية حقيقية.
النقد هنا موجَّه بوضوح إلى حكومة الدبيبة، لا لأنها افتتحت متحفًا، بل لأنها تدير الدولة بمنطق الاستعراض لا بمنطق التوازن. حكومة تجيد صناعة الصورة، وتفشل في إدارة الألم. الثقافة لا تُبنى فوق أوجاع الناس، والمتحف لا يكون إنجازًا حقيقيًّا إلا في دولة تحترم صحة مواطنيها وكرامتهم قبل منصاتها وضيوفها.
