مقالات الرأي

لولا دا سيلفا والبرازيل.. انتصار الإرادة الوطنية في مواجهة الهيمنة الأمريكية



بقلم: محمود أمجبر

لم تكن صناديق الاقتراع في البرازيل، يوم الخامس والعشرين من أكتوبر 2026، مجرد محطة انتخابية عابرة، بل كانت ساحة لاختبار إرادة شعب اختار أن يحسم معركته السياسية بنفسه، في مواجهة استقطاب حاد بين اليسار والقوى اليمينية. وجاء فوز الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية جديدة، بعد منافسة محتدمة، ليمنح أنصار السيادة الوطنية والاستقلال السياسي مساحة جديدة للأمل في أمريكا اللاتينية.

ومن هنا، نقدم التهاني إلى الرئيس لولا دا سيلفا، وإلى الشعب البرازيلي الصديق، وإلى قوى اليسار والتقدم والتحرر الوطني، التي ترى في هذه النتيجة فرصة للدفاع عن العدالة الاجتماعية وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

إن أهمية هذا الانتصار لا تكمن في فوز مرشح على منافسه فحسب، بل في دلالته السياسية الأوسع؛ فالبرازيل ليست دولة هامشية في حسابات العالم، وإنما قوة اقتصادية وسياسية كبرى في أمريكا اللاتينية، وأي توجه مستقل تتبناه قيادتها يمكن أن يؤثر في موازين العلاقات الدولية، وفي قدرة دول المنطقة على بناء علاقات تقوم على الندية والمصالح المتبادلة، لا على التبعية والضغط.

لقد اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية التعامل مع أمريكا اللاتينية باعتبارها مجالًا حيويًّا لنفوذها الاستراتيجي، وشهد تاريخ المنطقة تدخلات وضغوطًا سياسية واقتصادية وعسكرية تركت آثارًا عميقة في مصائر شعوبها. ولذلك، فإن تجديد الثقة في لولا دا سيلفا يُقرأ، من منظور القوى المناهضة للإمبريالية، باعتباره رفضًا لمنطق الوصاية، ورسالة مفادها أن خيارات الشعوب لا ينبغي أن تُرسم في العواصم الأجنبية، مهما امتلكت من أدوات النفوذ والقوة.

ولا يعني ذلك أن كل من صوَّت لمنافسه ينطلق بالضرورة من موقف معادٍ لاستقلال البرازيل، أو أن جميع تفاصيل المشهد الانتخابي يمكن اختزالها في مواجهة مباشرة مع واشنطن. لكن المؤكد أن التنافس بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل البلاد أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًّا: من يملك حق تحديد المسار السياسي والاقتصادي للدولة؛ إرادة مواطنيها، أم موازين القوى الخارجية؟

إن السيادة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل قرار سياسي واقتصادي مستقل، وقدرة على حماية الثروات الوطنية، وصون المؤسسات، ورفض تحويل المصالح الأجنبية إلى أوامر واجبة التنفيذ.

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي على لولا دا سيلفا لا يتوقف عند نجاحه الانتخابي، وإنما يبدأ من اليوم التالي للفوز: هل تستطيع البرازيل تعزيز استقلال قرارها، وتوسيع هامش حركتها الدولية، وبناء شراكات متوازنة مع دول الجنوب، والمساهمة في إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا تحتكر فيه قوة واحدة حق تحديد ما يجوز للدول الأخرى فعله أو ما ينبغي عليها الامتناع عنه؟

إن أمريكا اللاتينية، بما تحمله من تجارب نضالية وتاريخ طويل من مقاومة الهيمنة، قادرة على أن تقدم نموذجًا للتعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول. وتبقى فنزويلا وغيرها من دول المنطقة جزءًا من النقاش الأوسع بشأن حق الشعوب في إدارة مواردها واختيار سياساتها، بعيدًا عن العقوبات والإكراه والتدخل في شؤونها الداخلية.

وبالنسبة إلينا في ليبيا، فإن هذه المسألة ليست بعيدة عن واقعنا. فقد دفعت بلادنا أثمانًا باهظة نتيجة التدخلات الأجنبية، وتداخل المصالح الدولية مع أزمات الداخل، وما ترتب على ذلك من إضعاف للسيادة الوطنية وتعقيد لمسار الاستقرار. ومن هنا، فإن التضامن مع كل جهد دولي يدافع عن استقلال القرار الوطني ليس موقفًا عاطفيًّا، بل تعبير عن تجربة ندرك من خلالها أن الوطن الذي يفقد حرية قراره يصبح أكثر عرضة لأن تتحول ثرواته ومقدراته إلى موضوع للتنافس بين الآخرين.

إننا لا ننتظر من البرازيل أن تخوض معارك الشعوب نيابة عنها، ولا نطالبها باستبدال تبعية بأخرى، وإنما نتطلع إلى أن تواصل دورها في الدفاع عن عالم تتعدد فيه مراكز القوة، وتحترم فيه الدول الكبيرة والصغيرة على قدم المساواة، وتُحل فيه الخلافات بالحوار، لا بالتهديد، وتكون فيه العلاقات الدولية قائمة على احترام المصالح المتبادلة وحق الشعوب في الاختيار.

تحية إلى الشعب البرازيلي الذي شارك في صنع هذا الاستحقاق الانتخابي، وتهنئة للرئيس لولا دا سيلفا على تجديد الثقة به. ونتمنى أن تكون ولايته الجديدة خطوة نحو تعزيز العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي والسياسي، وأن تفتح آفاقًا أوسع للتعاون بين شعوب أمريكا اللاتينية وشعوب العالم الساعية إلى الحرية والسيادة.

فانتصار أي شعب في الدفاع عن حقه في اختيار مستقبله يظل مكسبًا لكل من يؤمن بأن العالم لا ينبغي أن يُدار بإرادة القطب الواحد، وأن كرامة الشعوب لا تُقاس بمدى رضا القوى الكبرى عنها.

إن معركة السيادة لا تنتهي عند صناديق الاقتراع؛ بل تبدأ حين تتحول إرادة الناخبين إلى قرار مستقل، وسياسة عادلة، وكرامة وطنية لا تقبل الوصاية.

مبروك للبرازيل، والتحية لشعبها الصديق، وللولا دا سيلفا، ولكل القوى التي تناضل من أجل عالم أكثر عدلًا وتوازنًا، تتحرر فيه إرادة الشعوب من الهيمنة، وتبقى فيه السيادة الوطنية حقًّا أصيلًا لا منحة من أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى