وطني بين أمس الأمان وثقل الواقع

نجوى مصطفى
ينظر الكثيرون إلى مسار الأحداث في ليبيا منذ تغيير النظام السابق كفترة مليئة بالتحديات التي أعادت تشكيل المشهد العام للبلاد. وعند محاولة قراءة الواقع الليبي عبر مقارنة شاملة، تبرز أربعة محاور أساسية تمثل جوهر حياة المواطن واستقرار الدولة، وهي الأمن والعدالة الاجتماعية والنزاهة والسيادة الوطنية.
في محور الأمن، يبرز التباين الواضح بين مرحلة تميزت بمركزية أمنية وفرت حالة من الاستقرار وحضور مؤسسات الدولة في كامل الجغرافية الليبية، ومرحلة تلتها شهدت تفككا خطيرا في المنظومة الأمنية. لقد استغل الخونة وأطراف في العالم الخارجي هذا الفراغ لتمرير أجندات تهدف إلى تمزيق النسيج الوطني وتقسيم الدولة عبر تأجيج الصراعات. وقد رافق ذلك انتشار مرعب للسلاح خارج إطار القانون، سيما في ربوع الغرب الليبي الحبيب، حيث تحولت المدن والمناطق إلى ساحات لتكديس السلاح وسطوة التشكيلات المسلحة، مما أدى إلى غياب تام لشعور المواطن بالأمان وجعل استقرار البلاد رهينًا في يد الفوضى والمطامع الخارجية.
أما على صعيد العدالة الاجتماعية، فقد شهدت الفترة التي سبقت التغيير سياسات دعم قللت من حدة التفاوت بين الطبقات ومنحت الطبقة المتوسطة مكانة فاعلة. وفي المقابل، أفرزت السنوات اللاحقة فوارق طبقية ناتجة عن تداعيات الأزمة الاقتصادية وظهور فئات جديدة راكمت الثروات بينما تراجعت القدرة الشرائية لقطاع واسع من الشعب، مما أدى إلى تآكل شبكات الأمان وزيادة الأعباء المعيشية.
وفيما يتعلق بالنزاهة والشفافية الإدارية، فقد كانت الإدارة العامة في السابق تعاني من مظاهر بيروقراطية وجمود، لكنها تحولت بعد الأحداث إلى بيئة حاضنة لفساد مالي وإداري واسع، تضمن هدر المال العام وغياب الرقابة وتضخم الثروات بطرق غير مشروعة، مما أعاق مسيرة التنمية وأفقد المؤسسات الكثير من مصداقيتها أمام الرأي العام.
وعلى مستوى السيادة الوطنية، تشير المعطيات إلى أن ليبيا كانت تتمتع باستقلالية في قرارها السيادي وإدارة علاقاتها الخارجية دون تدخلات في الشؤون الداخلية. غير أن المشهد تغير بشكل كامل بعد ذلك، حيث فتحت الفوضى السياسية والأمنية الباب أمام التدخلات الأجنبية وتعدد مراكز النفوذ الخارجي، مما أضر بحرية القرار الوطني وأطال أمد الأزمة السياسية.
في النهاية، لا تزال هذه المقارنة تثير نقاشات واسعة في الشارع الليبي، حيث يرى قطاع من المواطنين أن التحديات العميقة في مجالات الأمن والعدالة والنزاهة والسيادة تجعل تقييم المرحلة الحالية مثقلا بالأسئلة.
