مقالات الرأي

المصرف المركزي.. أزمة إدارة تهدد الدينار وتستنزف مدخرات المواطنين



بقلم: عثمان الدعيكي

لم يعد ما يجري داخل مصرف ليبيا المركزي مجرد خلاف إداري حول منصب المحافظ أو صلاحيات مجلس الإدارة، بل تحول إلى أزمة تمس جوهر الاستقرار المالي والنقدي للدولة، وتلقي بظلالها الثقيلة على القطاع المصرفي والمالية العامة، وتنعكس بصورة مباشرة على قيمة الدينار الليبي ومستوى معيشة المواطنين. فالمؤسسة التي يفترض أن تكون صمام الأمان للاقتصاد الوطني أصبحت، بفعل الانقسامات السياسية وتراكم الخلافات الإدارية، جزءًا من أزمة أوسع تتداخل فيها المصالح والصلاحيات، وتغيب عنها الرؤية الاقتصادية الموحدة.

وجاءت التطورات المتعلقة بقبول استقالة المحافظ ناجي عيسى، وتكليف السيد فوزي الحسناوي بتسيير مهام المحافظ مؤقتًا، وما يتداول بشأن اعتزام مجلس النواب اختيار محافظ جديد، لتفتح فصلًا آخر من عدم اليقين حول مستقبل إدارة أهم مؤسسة نقدية في البلاد. فالمشكلة لم تعد تتعلق بشخص المحافظ، بقدر ما تتعلق بمدى استقلالية المصرف المركزي، ووضوح مرجعيته القانونية، وقدرته على أداء وظائفه بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

لقد حذرت تقارير صندوق النقد الدولي، في تقييماتها للاقتصاد الليبي، من المخاطر التي يفرضها الانقسام المؤسسي وضعف التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، وأكدت أهمية توحيد المؤسسات وتعزيز الحوكمة وضبط الإنفاق العام. كما أظهرت أزمة المصرف المركزي خلال عام 2024، وما رافقها من اضطرابات في إنتاج النفط وتصديره، مدى هشاشة الاقتصاد الليبي أمام الخلافات المتعلقة بإدارة المؤسسات السيادية.

وتتضاعف خطورة هذه الاختلالات في دولة تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق العام وتوفير النقد الأجنبي. فالمصرف المركزي ليس مجرد جهة لإصدار العملة وإدارة الاحتياطيات، وإنما يمثل الحلقة الأساسية التي تمر عبرها إيرادات الدولة ومدفوعاتها، وتستند إليها قدرة المصارف التجارية على توفير السيولة والاعتمادات المستندية والتحويلات الخارجية.

وأي اضطراب في إدارته أو تضارب في قراراته ينعكس على ثقة المتعاملين مع القطاع المصرفي، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية، ويفتح المجال أمام المضاربة والاتجار بالعملة.

أما الأخطر فهو استمرار تراجع قيمة الدينار الليبي، مع تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز (10 د.ل)، وهو مستوى يعكس عمق الاختلالات الاقتصادية وفقدان الثقة في قدرة السلطات النقدية والمالية على حماية العملة الوطنية. ولا يمكن اختزال هذا التدهور في المضاربات وحدها؛ فالإنفاق العام المتضخم، وضعف الإنتاج المحلي، والاعتماد الواسع على الاستيراد، وغياب التنسيق بين المؤسسات، جميعها عوامل تدفع نحو زيادة الطلب على الدولار واستنزاف الموارد المتاحة من النقد الأجنبي.

وتظهر النتائج الأكثر قسوة لهذه الأزمة في حياة المواطن اليومية. فكل انخفاض في قيمة الدينار يعني ارتفاعًا جديدًا في أسعار السلع الغذائية والأدوية والملابس والخدمات المرتبطة بالاستيراد. وهكذا تتآكل القوة الشرائية للمرتبات، وتتراجع القيمة الحقيقية للمدخرات، ويجد المواطن نفسه مضطرًا إلى إنفاق مبالغ أكبر للحصول على الاحتياجات نفسها، دون زيادة مقابلة في دخله.

ولا تقف الخسائر عند حدود ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى فقدان الثقة في الادخار بالدينار، حيث يلجأ المواطنون إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب حفاظًا على قيمتها، وهو سلوك مفهوم في ظل المخاوف السائدة، لكنه يزيد الضغط على العملة المحلية ويعمق الأزمة.

وفي المقابل، يستمر الانقسام الحكومي وازدواجية مراكز القرار والاختلاف حول تكليف شاغلي المناصب السيادية، بما يضعف الانضباط المالي ويعطل إمكانية وضع سياسة اقتصادية موحدة. فلا يمكن لمصرف مركزي، مهما بلغت كفاءة إدارته، أن يحافظ منفردًا على استقرار العملة في مواجهة إنفاق عام مفتوح، والتزامات مالية متزايدة، وغياب موازنة موحدة تخضع للرقابة والمساءلة.

إن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من اختيار محافظ جديد. فهي تستوجب إعادة تشكيل إدارة المصرف على أسس مهنية وقانونية واضحة، وتحصين قراراته من التدخلات السياسية، وإخضاع عملياته للرقابة والتدقيق، مع نشر بيانات مالية ونقدية منتظمة تعزز الشفافية وتعيد الثقة إلى القطاع المصرفي.

كما تتطلب توحيد السياسة المالية، وضبط الإنفاق، ومراجعة آليات توفير النقد الأجنبي، ومكافحة تهريب الأموال والسلع المدعومة، إلى جانب تحفيز القطاعات الإنتاجية لتقليص الاعتماد على الواردات.

إن الدينار الليبي لا يفقد قيمته بسبب نقص الموارد، فليبيا تمتلك ثروة نفطية واحتياطيات مالية مهمة، وإنما بسبب العجز عن إدارة هذه الموارد ضمن مؤسسات مستقرة وسياسات منضبطة. وما لم تُعالج جذور الانقسام والتخبط الإداري والمالي، فإن تغيير المحافظين سيبقى مجرد تبديل للأسماء، بينما تستمر الخسائر الحقيقية في جيوب المواطنين ومدخراتهم ومستقبل الاقتصاد الوطني.

زر الذهاب إلى الأعلى