مقالات الرأي

التحشيد لليمن والصمت عن غزة



بقلم/ محمد نبيغ

الانتماء الحزبي والمنطق الأحول: تضعنا خارطة الصراعات الشرق أوسطية اليوم أمام مشهد يستفز كل أشكال العقل والضمير: كيف يتحول العالم ومعه أطراف إقليمية وعربية إلى خليَّة حشد عسكري وسياسي وأمني عاجل لمواجهة حركة أو فصيل في شمال غرب اليمن، بينما تتلاشى هذه الهمة العالية كليًّا وتغرق في صمت الموت عندما يتعلق الأمر بقطع دابر الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة، أو التصدي للعدوان المستمر على جنوب لبنان وسوريا؟

إن قراءة هذه المعادلة النكراء تنقلنا من دائرة “الاستغراب السياسي” إلى فضح الدوافع الحقيقية التي تحكم تحركات المنظومة الإقليمية والدولية، والتي تتلخص في مثلث شاذ: العمالة للخدمة الاستعمارية، الجشع الاقتصادي الرأسمالي، والمنطق السيادي “الأحول” الذي يرى خطر التحركات الشعبية ولا يرى خطر الإبادة الصهيونية.

أولًا: المنطق الأحول.. كيف تضخمت جغرافيا اليمن وضمرت غزة؟

يعاني الخطاب السياسي والأنظمة المرتبطة بالمركز الغربي من مرض “الحول الاستراتيجي”:

الرؤية العوراء للمخاطر: يرى هذا المنطق أن أي إغلاق جزئي أو خطورة تمس الشرايين البحرية في “باب المندب” أو البحر الأحمر تشكل تهديدًا كوكبيًّا وحالة طوارئ يستدعي تشكيل تحالفات عسكرية مكثفة (مثل تحالف “حارس الازدهار”). لكن ذات هذا العقل لا يرى في محو أحياء كاملة وقتل عشرات آلاف المدنيين في غزة وتدمير القرى في لبنان أي تهديد للسلم والأمن الدوليين!

شيطنة الفاعل وتبرير الجلاد: يوضع الفعل اليمني المساند لفلسطين تحت مجهر “الإرهاب والتهديد للملاحة الدولية”، بينما تُغسل جرائم الكيان الصهيوني وتُصنَّف تحت بند “حقق الدفاع عن النفس”، في مساواة أخلاقية وسافرة تعكس عهرًا سياسيًّا مبرمجًا.

ثانيًا: الجشع الرأسمالي وحراسة الشرايين الاستعمارية

لم يكن التوافق على استهداف اليمن وليد تصادف، بل هو انعكاس لمعادلة الجشع:

التجارة فوق الدماء: بالنسبة للنظام الدولي الموجه غربيًّا، فإن توقف حاوية بضائع أو تأخر شحنة نفط عبر باب المندب يكلف المليارات، وهو ذنب لا يغتفر. أما سفك دماء الأطفال والنساء في غزة أو قصاب التدمير في سوريا ولبنان فليس له فاتورة مباشرة تؤثر على أسواق البورصة العالمية!

حماية الأمن الاقتصادي للعدو الصهيوني: إن فتح جبهة إسناد بحرية من اليمن ضرب شريان الحياة الاقتصادي للكيان المحتل وحلفائه. لذا، تحرك الجشع العالمي ليس لحماية الملاحة العالمية كمبدأ، بل لحماية شريان الاستيراد والتصدير التابع للعدو وحلفائه الغربيين.

ثالثًا: الانتماء الحزبي والعمالة.. متلازمة الربيع العربي ومحور التطبيعية

لا يمكن فهم الاصطفاف الراهن بمعزل عن التاريخ القريب:

استكمال خرائط التفكيك: القوى الدولية والإقليمية التي تجمعت اليوم ضد شمال اليمن هي ذاتها القوى التي تقاطعت مصالحها سابقًا لتفكيك الدولة الوطنية في ليبيا وسوريا واليمن خلال حقبة ما سمي بـ”الربيع العربي” المستغل استعماريًّا.

العمالة الوظيفية والتبعية: إن الامتناع عن نصرة غزة وسوريا ولبنان ليس مجرد عجز تقني، بل هو التزام بأوامر المركز الاستعماري القديم-الجديد. الأنظمة المهرولة نحو التطبيع ترى في انتصار المقاومة – سواء في غزة أو لبنان أو اليمن – تهديدًا وجوديًّا لشرعيتها القائمة على الاستكانة والخضوع للنفوذ الأمريكي-الصهيوني.

الخوف من النموذج: يخشى حراس النظام الإقليمي من أن يتحول النموذج اليمني المتمرد على الهيمنة والمبادر للإسناد العسكري إلى ملهم للشعوب العربية، مما ينسف عقودًا من سياسات التطويع والتخنيع.

الوجه العاري للاستعمار الجديد

إن الاستقصاء في سلوك هذه القوى يقودنا إلى نتيجة واحدة: التحشيد ضد اليمن ليس حربًا على جماعة بعينها، بل هو دفاع استعماري عن منظومة الهيمنة المطلقة.

تُركت غزة للمذبحة، ودُمِّرت سوريا، وتستهدف قلاع المقاومة في لبنان لأن ذلك يخدم المشروع الصهيوني-الغربي في هندسة الشرق الأوسط الجديد. وفي المقابل، حُشدت الجيوش والأساطيل ضد اليمن فور أن تجرأ على الخروج من حظيرة الوصاية وأشهر السلاح في وجه المشروع الصهيوني.

إنها صورة مؤلمة لعالم تحكمه العمالة، ويتحكم فيه الجشع، ويديره عقل سياسي أحول يرى الملاحة ولا يرى الإنسان!

زر الذهاب إلى الأعلى