الرأي العام الليبي إلى أين!

بقلم / فرج عيواز
يعد الرأي العام إحدى الظواهر الاجتماعية التي غالبًا ما يتعامل معها المجتمع دون أن يدرك أسرارها، أو يعي آليات تشكلها وتأثيراتها على حاضره ومستقبله. وقد لا يكمن السر في قوتها، بقدر ما يكمن في مدى إدراكنا لطبيعتها؛ ففي الوقت الذي يعتقد فيه المجتمع أنه هو المالك لمواقفه، ولكن في الواقع هناك مجموعة من المؤثرات التي لها تأثير في عقله وإدراكه تسهم في تشكيل مواقفه بشكل عام.
فالمجتمع كائن عاقل، من طبيعته التفاعل فيما بينه ومع محيطه، والتمييز بين الضار والنافع، وهو المسؤول عن مواقفه ونتائجها. والغريب أن المجتمع قد تنشأ داخله مواقف تؤثر عليه، دون أن يدرك كيف أسهم في تكوينها، وكيف أصبح جزءًا من دائرة تأثيرها. ومن الظلم أن نحمل المجتمع وحده وزر هذه الظاهرة، أو ننسبها له، ولكن يظل هو البيئة الخصبة لنموها وتشكيلها، وهو القادر على استثمار إيجابياتها ومعالجة سلبياتها.
ويعد الرأي العام من المحددات المهمة في صياغة سياسة الدولة، فهو يعكس اتجاهات الشارع ورغباته. وعرفت البشرية هذا المفهوم منذ القدم، وإن لم يكن بالشكل الذي نعرفه اليوم، وربما قصة بيت الشعر (قُلْ للمليحة في الخِمار الأسود…) مثال جيد على تعامل الإنسان منذ زمن بعيد مع ظاهرة الرأي العام. فقصة هذا البيت توضح كيف سخر الاقتصاد الإعلام للتأثير على مواقف المجتمع. والسؤال: هل تأثرت كل النساء بهذا البيت؟ تظل المسألة نسبية، والتاجر حقق مراده. فتشكيل وتوظيف الرأي العام ليست فكرة جديدة على البشرية، وإن كان المصطلح حديث العهد، فقد ظهر في أوروبا خلال القرن الثامن عشر مع ظهور الصحافة. إذن، الرأي العام هو موقف المجتمع أو شريحة منه تجاه قضية ما. وهذا الموقف يمر بمراحل عدة ككائنٍ حي؛ مرحلة الولادة وهي ظهور الفكرة، ومرحلة النضج وهي تبلور الفكرة، ثم يصبح قوة مؤثرة وصانعة للأحداث، وعندما ينتهي دوره يموت ويظل أثره ضمن الموروث التاريخي للمجتمع يستمد منه قوته وعزيمته.
وتظل الأفكار والمعتقدات والتاريخ والموروث الحضاري والثقافي والإعلام والخطاب الديني والحالة الاقتصادية والأوضاع السياسية والأمنية وغيرها، هي التي تشكل الرأي العام وتحدد اتجاهاته، ولذلك لا يمكن تجاهل الرأي العام تجاه قضية ما، لتأثيره القوي على الحياة العامة والقضايا الوطنية الحاسمة. والمتتبع للرأي العام في ليبيا يشعر بخيبة الأمل، لأن المواقف الوطنية التي تحدد مصير ليبيا ومستقبلها إما أنها لم تولد بعد أو أنها ما زالت في طور الطفولة، وأكبر خطر الآن يهدد ليبيا هو التغير الديموغرافي وما يتبعه من تغيرات عرقية وإثنية وعقائدية، ومع هذا، ما زال الرأي العام تجاه هذا الخطر غير متبلور، وإن كانت هناك محاولات جادة مثل “حراك لا للتوطين” إلا أن نشاطه على الأرض ما زال محصورًا في العاصمة، وكأن هذا الخطر لا يهدد بقية المدن، أو أن موقفها مع التوطين وليس ضد.
وهناك نشاطً دؤوبً للمحامية ثريا الطويبي والمحامية سالمة الشعاب، ولكن ألا يوجد غيرهما من نساء ليبيا الأصيلات؟ أما مساجدنا فمغيبة نهائيا، فبعد أن كان دورها في أوقات السلم بناء وتطوير المجتمع والحفاظ على الأمن والاستقرار، وفي أوقات الأزمات والحروب تصبح غرف عمليات للتحريض على الجهاد والتضحية في سبيل الوطن، اقتصر دورها على إقامة الشعائر وعقود الزواج، أما خطبة الجمعة، التي لها تأثير بالغ الأهمية على تكوين الرأي العام، فقد صارت منفصلة عن الواقع الليبي نهائيًّا، فقد أصبحت وظيفة مقابل أجر وليست رسالة تحرر وبناء وتطوير. وأيضًا إضراب قطاع التعليم هو مؤشر على مدى غياب الوعي الوطني لدى شريحة واسعة من المجتمع، كان الاعتقاد السائد أنها هي من تُعلِّم الأجيال حب الوطن، والتضحية والفداء في سبيله. ففي الوقت الذي من حق كل مواطن ليبي أن يعيش حياة كريمة ويشعر بالعدالة والمساوة، وقد سعى قطاع التعليم لتحقيق ذلك، بتوحد كلمته على مستوى ليبيا مطالبًا بحقوقه المشروعة، ولكنه أعطى انطباع أن المؤسسة العسكرية هي هدف الإضراب، وليس زيادة المرتبات، فقد ظهرت أصوات تتهكم وتسخر من العسكري وتصفه بالجهل، وأنه لا يستحق كل هذا التقدير والاحترام، ونسي أصحاب هذه الأصوات أن وجودهم في مدارسهم آمنين، قد دفع ذلك الجندي ثمنه مقدمًا، من راحته البدنية والنفسية وأطراف مبتورة ودماء أريقت على تراب هذا الوطن وأرواح ارتقت في سبيل الله من أجل أمن واستقرار ليبيا.
هذا الإضراب الذي وحد ليبيا رغم انقسامها وهو شيء إيجابي كان يفترض أن يسهم في تشكيل رأي عام للمطالبة بإنهاء الانقسام السياسي وتوحيد المؤسسة العسكرية والتصدي لمخططات التوطين، وأن يرفض إبرام عقود لجلب معلمين من فلسطين المحتلة، وأطقم طبية من سوريا، ومحاربة الفساد بكل أشكاله. ولو كرُس هذا الإضراب من أجل قضايا الوطنية، لسجل موقفًا وطنيًّا مشرفًا لقطاع التعليم ولقادته، ولكن “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”، وهذا يعيدنا إلى سؤال: الرأي العام الليبي إلى أين؟ إن لم يكن في خدمة القضايا الوطنية.
