الدروس المستفادة من ثورة طلاب صربيا وعمال البرازيل

بقلم / محمد جبريل
في الأسبوع الماضي، قاد جيل (زيد) في صربيا والبرازيل حدثين ذكّرانا بميراث (بوليفار وتيتو).
ففي البرازيل، انتفض الشعب وأسقط المرشح الرأسمالي (بولسونارو)، ليفوز الاشتراكي «لولا»، ماسح الأحذية الكادح، المدافع عن العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال ومحدودي الدخل، في مواجهة آلة الهيمنة الإمبريالية ومرشحها المدعوم من الشركات الاحتكارية وأمريكا والكيان.
وبذلك، تستمر الإنجازات التي حققها «لولا»، إذ نقل البرازيل من دولة مدينة ضعيفة وفقيرة إلى مصاف الدول المتقدمة الدائنة، وعمل على تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع مواطنيها، كما أدخلها نادي الكبار من خلال منظومة (بريكس).
وفي أوروبا، انتصرت انتفاضة طلاب صربيا عام 2024، إثر انهيار مظلة محطة للقطارات في مدينة «نوفي ساد»، متهمين الحزب الحاكم بالإهمال والفساد. وواجهتها الحكومة بالقمع والاعتقالات والتخوين، لكن الطلاب واصلوا نضالهم، ودفعوا بمرشحين من خارج الأحزاب، ضمّوا طلابًا وأساتذة جامعات وفلاحين وفنانين ورياضيين، فانتزعوا الأغلبية البرلمانية وأسقطوا حكومة (فوتشيتش)، المدعومة من أمريكا والكيان، والتي حكمت صربيا لمدة 14 عامًا، رافعين شعارات محاربة مافيا الفساد، واستعادة الأموال المنهوبة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال توفير السكن وتحسين الأجور.
يتمثل الدرس عندما تمتلك الشعوب الوعي والإرادة والتنظيم، فإنها تنتفض في مواجهة أدوات الحكم الاستبدادية ومافيات الفساد والاستغلال والاحتكار والعمالة للخارج، من خلال حشد قواها لخوض معركة الانتخابات، مستعملةً أدوات اللعبة الديمقراطية، فتُحدث التغيير.
أي نظام سياسي قابل للاستمرار يعتمد على أربع ركائز أساسية على الأقل، هي: توفير الأمن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ النزاهة، وحماية السيادة.
الاختلالات العميقة في هذه الركائز الأربع، تتجلى في نهب الثروة، وظهور الطبقية المقيتة، وضعف القدرة على فرض القانون، وتصاعد التجاذبات السياسية.
ويزداد الأمر سوءًا إذا حدثت حالة تطبيع مع الفساد، لأنه يتغذى على الصمت واليأس، ومواجهته تتطلب تفعيل الرقابة، وضمان استقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنع شبكات الفساد من مواصلة توسيع نفوذها، مما يتطلب الانتقال من الاحتجاج إلى التأثير، ومن رفض الواقع إلى تقديم البدائل، ومن المطالبة بالتغيير إلى امتلاك الأدوات القادرة على إحداثه، بفعل قيادة وطنية تحمل مشروعًا قابلًا للتحقيق، وتستطيع جمع القوى السياسية الوطنية حوله. قيادة تقدم آليات لمكافحة الفساد، ووسائل للقضاء على الطبقية وتحسين حياة المواطنين، وسياسات لاستعادة استقلال القرار الوطني وإلا فقد يؤدي انهيار الوضع القائم إلى فوضى أشد تعقيدًا منه.
إن البديل العملي هو محاكاة التجربتين الصربية والبرازيلية، حيث انتُزعت السلطة بصناديق الاقتراع، لكن إجراء انتخابات نزيهة وشفافة يتطلب توافر أربعة شروط أساسية: قواعد عادلة لإجرائها، وجهة نزيهة للإشراف عليها والفصل في النزاعات المتعلقة بها، وقوة محايدة لحمايتها، فضلًا عن القبول بنتائجها.
لكن هذه المتطلبات الأربعة غير متوافرة عندنا حاليًا، فالقواعد الانتخابية ما زالت تعاني التجاذبات والمفخخات، مثل قاعدة الصوت الواحد غير المتحول، وآليات توزيع المقاعد على الدوائر، وغياب الدور الفاعل للأحزاب، وضعف تجريم استخدام المال الفاسد، وعدم إقرار التمييز الإيجابي لمصلحة الفئات الهشة، كالشباب والنساء والفقراء.
أما الجهة المشرفة على الانتخابات، فتُثار الشكوك حول قدرتها على ضمان نزاهتها وفاعليتها في ظل سيطرة الميليشيات على أجزاء من ليبيا، الأمر الذي يجعل الترشح والانتخاب وطرح البرامج الانتخابية الطموحة أنشطةً قد تعرِّض أصحابها للخطف والمضايقة.
وأخيرًا، فإن القبول بنتائج الانتخابات يتطلب وجود قوة قادرة على تمكين الفائزين من تسلُّم مهامهم.
لم يعد السؤال: لماذا تدهورت الأوضاع؟ بل أصبح: متى تنتقل القوى السياسية الوطنية من تشخيص الواقع إلى امتلاك مشروع قادر على تجاوزه؟ يقوم على استعادة وحدة الدولة، وإنهاء الفساد، واسترداد الشعب ما نُهب من ثرواته. وتحقيق العدالة، وصيانة السيادة.
إن المطلوب هو إرادة وطنية تحوِّل الشعارات إلى إجراءات، والإجراءات إلى برامج، والبرامج إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة تحمي حقوق مواطنيها وتدير مواردهم بنزاهة وعدالة.
والتغيير لا يكتمل بمجرد رحيل مسؤول، بل يتحقق ببناء قوة وطنية منظمة تجعل إرادة الشعب مصدرًا للسلطة، والثروة العامة أساسًا للتنمية، والعدالة الاجتماعية معيارًا للحكم، والسيادة الوطنية خطًّا أحمر لا يجوز تجاوزه.
إن التغيير لا يتحقق بالتمنيات، ولا تصنعه الوعود التي تتكرر كلما اشتدت الأزمة، بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة ويصون حقوق الأجيال القادمة. أما البديل، فهو استمرار استنزاف الوطن في صراعات لا يدفع ثمنها إلا المواطن.
