نداء إلى المعلمين والمعلمات

بقلم / د. مصطفى الزائدي
يتفهم الليبيون -بشكل عام- معاناة المعلمين والمعلمات، الذين يعملون في ظروف مادية وتعليمية صعبة للغاية، ويقدرون لهم الجهود التي يبذلونها، دون مقابل مناسب، من أجل بناء الإنسان الليبي الجديد، القادر على العمل والبناء وصناعة التقدم والازدهار.
ويدرك الليبيون أن المعلمين والمعلمات لا يعانون فقط نتيجة ضعف مرتباتهم وعدم قدرتها على تلبية متطلبات الحياة المتزايدة يوميًّا، بل يعانون أيضًا من قلة إمكانيات التعليم، وانعدام التدريب المتواصل والتأهيل المستمر. ويعتمدون على أنفسهم في تطوير قدراتهم التعليمية وتحسين أدائهم ، كما يعمل المعلمون والمعلمات في بيئة تعليمية سيئة، فالمدارس والمعاهد الضخمة، التي أُنشئت خلال العقود الماضية في مختلف المدن والقرى الليبية، تعرضت للإهمال والتدمير، وخُرِّبت معاملها، وتبعثرت مكتباتها، وأصيبت مرافقها بالتهالك، ولم تخضع للصيانة منذ سنوات ، ويضاف إلى ذلك عدم توفر مستلزمات التعليم الحديث، فلا وسائل إيضاح مناسبة، ولا حتى خرائط أو ملصقات، ناهيك عن وسائل التعليم الإلكتروني المسموعة والمرئية الحديثة، التي تنتشر في المؤسسات التعليمية في العالم، بما في ذلك الدول المتخلفة.
أما عن الكتاب المدرسي فحدث ولا حرج؛ فأغلب التلاميذ لا يحصلون عليه إلا قبيل انتهاء العام الدراسي، وهي كتب تعتمد مناهج قديمة لم تتطور منذ تسعينيات القرن الماضي، عدا ما أُدخل عليها من تشويهات قام بها المؤدلجون لتزوير التاريخ والعبث بالدين.
كلُّ هذه الأمور واضحة، ولا تحتاج إلى بيان أو تبيين. لكنني، رغم ذلك، أتوجه بهذا النداء من القلب، مطالبًا المعلمين والمعلمات بتعليق إضرابهم فورًا، والسماح للتلاميذ والطلاب بالعودة إلى المدارس، حتى في ظل ظروفهم الصعبة، وعدم الاستجابة لمطالبهم، ولو شكليًّا.
ندائي هذا ليس نكرانًا لحقوقهم المشروعة، ولا موقفًا من جهودهم في المطالبة بها، بعد أن عجزوا عن تحقيقها بالوسائل الأخرى، لكن السبب الأهم، الذي لا شك أن المعلمين والمعلمات يدركونه جيدًا، هو أنه لا توجد في ليبيا جهة مسؤولة يمكن أن تستمع إلى مطالبهم وتستجيب لها، فلا توجد سلطات يهمها الوطن، أو تهتم بالطلاب، أو تستمع إلى مطالب المواطنين من مختلف الجهات، فكل ما يهم هذه السلطات هو ملء جيوبها بالمال الحرام، ونشر الفساد، وتدمير المؤسسات، وهدر موارد الدولة هنا وهناك.
وفي المقابل، فإن أبناء أولئك المسؤولين، الذين يحاول المعلمون والمعلمات الضغط عليهم لتحقيق مطالبهم، لا يدرسون في مدارس الليبيين العامة، أكثرهم يدرسون في الخارج، متمتعين بأموال الليبيين المنهوبة. ولذلك، لا يوجد سبب منطقي واحد يجعلنا نتوقع منهم الاستماع إلى مطالب المعلمين، ناهيك عن الاستجابة لها.
إن ندائي هذا مصدره الحرص على ألا يتحول المعلمون والمعلمات، ضحايا فساد المتسلطين على الدولة والفوضى المنتشرة فيها، إلى مسؤولين أخلاقيًّا واجتماعيًّا عن فقدان سنة من عمر الطلاب الليبيين، وألا يصبحوا مشجبًا تعلق عليه الدولة الفاشلة والفاسدة جرائمها في حق الشعب، وتحاول غسل يديها من مسؤولياتها وتحميل المعلمين تبعات أزماتها.
أدعو المعلمين والمعلمات إلى أن يتحلَّوا بالمسؤولية الوطنية، وأن يعلقوا الإضراب فورًا، مع مواصلة المطالبة بحقوقهم بوسائل أخرى.
رسالتي إليهم أن هذا الوضع في بلادنا هو نتاج عملية تدميرية مبرمجة، نفذها أعداؤنا بدعم من بعض السفهاء والعملاء من بيننا، بقصد إبقاء ليبيا دولة منهكة وفاشلة، وشعبها غارقًا في مشاكلها المتزايدة، حتى يسهل نهب ثرواتها.
إن المشكلات في ليبيا ليست تقليدية حتى يمكن التعامل معها بوسائل تقليدية، كالاحتجاج والإضراب والاعتصام والتظاهر؛ إنها مشكلات بنيوية في جسم السلطة المتحكمة في البلاد، نشأت عن تدخل أجنبي استعماري.
أنا مع القائلين إن المعلم، عندما يفقد حقوقه، لا يستطيع أداء واجباته بطريقة صحيحة، لكن علينا أيضًا أن ندرك أن هؤلاء المتسلطين لا يخافون من الضغط، فهم لا يبحثون عن شرعية أو مشروعية وطنية تدفعهم إلى الاستماع إلى مطالب الشعب وقبولها، فلقد وصلوا إلى ما وصلوا إليه نتيجة عامل أجنبي، ويحتفظون بوضعهم السياسي نتيجة امتلاكهم السلاح الذي يستعملونه دون ضوابط قانونية أو أخلاقية، وبشكل عشوائي وغير منظم.
وفي المقابل، أدعو ما تبقى من مؤسسات الدولة، وكل الأفراد الوطنيين، الذين لا شك في وجودهم داخلها، إلى إدراك حجم المخاطر التي تهدد الوطن نتيجة ما يتعرض له قطاع التعليم من فوضى وعبث. وأدعوهم إلى الاستماع بعقول متفتحة إلى مطالب المعلمين والمعلمات، ومحاولة تلبيتها قدر استطاعتهم، والعمل على إصلاح التعليم.
هذا النداء يحتاج إلى دعم النخب الليبية والقيادات المجتمعية، وأخص بالذكر نقابة المعلمين والنقابات الأخرى؛ لأن ما يواجهه المعلمون في حقيقة الأمر لا يختلف إطلاقًا عما تواجهه القطاعات الأخرى.
فإصلاح التعليم لن يتحقق إطلاقًا بمجرد تحسين الأوضاع المادية للمعلمين والمعلمات، بل يحتاج إلى مشروع واضح يضمن أن التعليم حق متساوٍ للجميع، ينبغي أن توفره الدولة وتموله بالطرق المناسبة، وألا يكون إطلاقًا مجالًا للتجارة والاستغلال
