مقالات الرأي

حربالوجيا



بقلم / خليفة احواس

منذ نعومة أظافري تعرفت على ما وجدت اسمه ببلدتي (بوكشاش)، طبعًا تعرفت على هذا الكائن الحي وليس على الورود ولو كانت بلاستيكية، اعذروني منذ ذلك التاريخ ليس للورود اسم بتاريخي، ولا أعرف يوم تاريخ ميلادي، ولم يمر على مسمعي بها ما يسمونه يوم الحب، هذا المخلوق يتواجد بكثرة يدب ولا يؤذي أحد بمرعى الأغنام وبالشجيرات البعلية ذات الانتشار الواسع، وهو ذاته الذي يطلق عليه على نطاق واسع أيضًا (الحرباء)، وهو المتسامح الذي كان يؤذيه طيشنا الطفولي، لكنه كان يفلت منا بحكم قدرته الأسطورية على التلون، فإن تسلق شجيرة خضراء يتحول لونه إلى أخضر مثلها فنلوذ عنه، وإن كان لون مكانه غير ذلك يتلون بلونه ويتكيف معه، تعودنا عليه ككائن غير عاقل، لكن الحرباوية كصفة صارت تلازم أبناء جلدتنا اجتماعيًّا، فهم يتكيفون مع كل جديد، متلونين لغة ومواقف وحتى قهقهات، فالذي من رعية فلان المعروف بخصومته لعلان، تكتشف أنه صار من رعية الأخير وجلاسه، وهو الذي كان يطلق عليه الدعوات البالية ببيت الله الحرام، الأمر الآن صار سياسيًّا، فمن بتلك الضفة صار بالضفة الأخرى ليس على مستوى الخطاب الذي تفرضه المعطيات ويلح به واجب إنقاذ الوطن، ولكن على مستوى ترف لا معنى له ومزايدة لا تباع بأي سوق.

الحرباوية تطورت بعصرنا وصارت دولية وصارت ليبيا سوقها الرائج، فمن يتأمل خطاباته واجتماعاته وأفعاله يجد أن شخوصها يكررونها عبر كل المحطات بلا طائل، قالوها سابقًا وتاجروا بها، وتشهد أطناب الخيمة عليهم، ويقولونها بصيغ مختلفة تحت الجدران الإسمنتية لساسة (العازة اليوم)، والمخيف راهنًا.

إن لغة الحرباء تحولت إلى إيديولوجية صارت بكلماتها المتقاطعة تحت قبة مجلس الأمن وفصله السابع الذي مبرره (السيادة) الذي صار ينتهكها كل يوم بخطاب يدعي صيانتها، وإحاطات تتلاعب بالكلمات وتباركها وتجعل مخرجاتها غير ملزمة، إحاطات منذ عقد وهي تعزف على وتر الانقسام السياسي الذي خلقته في دولة كانت واحدة موحدة مهيبة تعمل لها ألف حساب قبل أن تحط بها خفافيشهم الدولية وتحتضنها الحرباوات المحلية، تلك التي كانت مثل (بوكشاش) القرية الذي لا يحسب له أحد أي حساب.

زر الذهاب إلى الأعلى