ليبيا ليست شتيمة انتخابية

بقلم / يوسف امحمد الشريف
لم تكن العبارة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين وصف ليبيا ودولًا أخرى بأنها «دول قذرة»، مجرد كلمة عابرة في تجمع انتخابي؛ فقد أعادت إلى الواجهة سؤالًا أساسيًّا عن حدود الخطاب السياسي، وعن الفرق بين مناقشة ملفات الهجرة والأمن، وبين الإساءة إلى شعوب كاملة. ففي تجمع بمدينة بيري في ولاية جورجيا يوم 24 أكتوبر 2026، تحدث ترامب عن استقبال مهاجرين من ليبيا واليمن وهايتي والصومال، مستخدمًا وصفًا مهينًا في سياق هجومه على سياسات الهجرة.
قد يختلف الناس مع سياسات أي دولة، وقد تكون للدول مخاوف تتعلق بالحدود والهجرة غير النظامية، لكن ذلك لا يمنح رئيسًا، مهما بلغ نفوذه، حق اختزال بلد وشعب في صفة جارحة. فليبيا ليست ملف هجرة فقط، وليست عنوانًا للأزمات التي مرت بها، كما أن الليبيين ليسوا كتلة واحدة يمكن الحكم عليها من خلال انتماءاتهم أو جنسياتهم أو الظروف السياسية التي يعيشونها. عندما يُستخدم هذا النوع من الخطاب، يصبح الإنسان نفسه هدفًا للتعميم، وتتحول القضايا المعقدة إلى شعارات سهلة للاستهلاك الانتخابي.
كما أن ليبيا ليست فكرة طارئة على الخريطة، بل بلد له مدن ضاربة في التاريخ، وإرث متوسطي وأفريقي وعربي، ومجتمع دفع ثمنًا باهظًا من الحروب والتحولات. وهذه الحقيقة لا تعفي الدولة من واجب الإصلاح، لكنها تمنع اختزال الشعب في أزمات صنعتها عوامل محلية وإقليمية ودولية متشابكة.
الرد الليبي لم يقتصر على منشورات الغضب والاستنكار في الفضاء العام؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية استدعاء القائمة بالأعمال الأمريكية في طرابلس، وتسليمها مذكرة احتجاج رسمية تتضمن طلب إيضاحات وتصحيح ما ورد في التصريحات. كما رفض رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة الإساءة إلى ليبيا وشعبها، مؤكدًا أن العلاقات مع واشنطن ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل، وأن كرامة الليبيين لا يجوز أن تصبح مادة للسجال الانتخابي. وصدرت كذلك مواقف رافضة من شخصيات ومؤسسات ليبية أخرى.
هذا التفاعل الشعبي يعبِّر عن حساسية وطنية تتجاوز الخلافات السياسية الداخلية. فعندما يشعر المواطن بأن بلده يُهان من الخارج، قد تتراجع مؤقتًا خلافاته مع أبناء وطنه، ويجتمع على موقف واحد عنوانه رفض الانتقاص من الكرامة. لكن من المهم ألا يتحول الغضب إلى إساءة مقابلة أو دعوات عشوائية للكراهية؛ فالدفاع عن الوطن يكون أقوى حين يستند إلى لغة واضحة، وحجج موثقة، وموقف دبلوماسي متزن.
ولا تعني هذه المواقف أن ليبيا بلا مشكلات. فالبلاد تواجه تحديات سياسية واقتصادية ومؤسسية حقيقية، ومن حق الليبيين نقدها ومطالبة المسؤولين بمعالجتها. غير أن نقد الأوضاع شيء، وإهانة شعب بأكمله شيء آخر تمامًا. معالجة أزمات ليبيا مسؤولية الليبيين ومؤسساتهم، ولا يصح أن تتحول الصعوبات التي يواجهونها إلى ذريعة لوصمهم جماعيًّا.
وبعد موجة الاعتراض، أفادت تقارير صحفية بأن ترامب نشر رسالة أشاد فيها بالشعب الليبي ووصفه بالفخور والصامد والمضياف، وتحدث عن السلام والازدهار. غير أن الإشادة اللاحقة لا تساوي، في حد ذاتها، اعتذارًا صريحًا عن العبارة السابقة.
ليبيا أكبر من وصف عابر، وشعبها أوسع من صورة تختزلها السياسة الانتخابية. والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى واشنطن وغيرها أن العلاقات بين الدول لا تُبنى بالإهانات، بل بالاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والاعتراف بكرامة الشعوب. فالسياسة قد تتغير، والانتخابات تنتهي، أما الكلمة المهينة فتترك أثرًا يصعب محوه.
