دورة القدس: نحو تحالف ديمقراطي اجتماعي قادر على التغيير

محمد علوش
يشكِّل انعقاد مؤتمر التحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي في العاصمة الأردنية عمَّان، تحت اسم «دورة القدس»، بمشاركة عشرين حزبًا ديمقراطيًّا اجتماعيًّا من البلدان العربية، من بينها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، محطة سياسية وفكرية تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المشروع الديمقراطي الاجتماعي، وقدرته على استعادة دوره في مجتمعات تواجه أزمات متراكمة وتحولات عميقة، تتداخل فيها تحديات التحرر الوطني مع قضايا الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة.
تنبع أهمية المؤتمر من توقيته وطبيعة الأسئلة التي يفرضها الواقع العربي، فنحن أمام مرحلة تتغير فيها موازين القوى الدولية، وتتسع فجوات التفاوت الاقتصادي والاجتماعي، وتتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية، فيما تتعرض القضية الفلسطينية لحرب إبادة جماعية واستيطان وتهجير متواصل، في ظل محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض وتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي المقابل، تواجه مجتمعات عربية عديدة أزمات في الحكم والتنمية والمشاركة السياسية، الأمر الذي يفرض على القوى الديمقراطية والتقدمية مراجعة أدواتها وبرامجها وعلاقتها بمجتمعاتها.
إن تجديد المشروع الديمقراطي الاجتماعي لم يعد ترفًا فكريًّا، بل ضرورة سياسية واجتماعية تفرضها التحولات الراهنة، فالتحدي لا يكمن في التمسك بمبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية فحسب، بل في تحويلها إلى مشروع سياسي واقتصادي يستجيب لمصالح الفئات الشعبية والعمال والشباب والنساء، ويقدم حلولًا ملموسة للبطالة والفقر والتهميش، ويعيد الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي وحق المواطنين في المشاركة في صنع مستقبلهم.
ولا يمكن اختزال الديمقراطية في الانتخابات وتداول السلطة وحدهما، كما لا يمكن اختزال العدالة الاجتماعية في سياسات الرعاية وإعادة توزيع الدخل بمعزل عن طبيعة النظام السياسي، فالديمقراطية الحقيقية تقوم على الحريات العامة والتعددية السياسية وسيادة القانون والمساءلة والمشاركة الشعبية، فيما تقتضي الديمقراطية الاجتماعية ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وحماية حقوق العمال، وتكافؤ الفرص، وتوفير التعليم والصحة والعمل اللائق، ومواجهة الاحتكار والاستغلال والتفاوتات البنيوية.
إن العلاقة بين الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية علاقة تكامل لا انفصال؛ فالديمقراطية التي لا تنعكس على حياة الناس قد تتحول إلى إجراءات شكلية، والعدالة الاجتماعية التي لا تستند إلى الحريات والمساءلة والمشاركة تفتقر إلى ضمانات الاستمرار، ومن هنا، فإن جوهر المشروع الديمقراطي الاجتماعي يتمثل في بناء علاقة متوازنة بين الحرية والمساواة، وبين الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز كرامة الإنسان وقدرته على تقرير مصيره.
وتزداد أهمية هذا المشروع في ظل تحولات دولية تكشف ازدواجية المعايير وتكرِّس، في كثير من الحالات، منطق القوة على حساب القانون الدولي وحقوق الشعوب، كما تواجه المنطقة العربية استمرار الصراعات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وضعف التكامل العربي، وتراجع القدرة الجماعية على التأثير في مسار الأحداث، وهذا الواقع يفرض على أحزاب التحالف تطوير رؤية مشتركة للاستقلال الوطني والتنمية المستقلة والدولة المدنية الديمقراطية، ومواجهة التبعية والتدخلات الخارجية، وتعزيز التعاون العربي على أساس المصالح المشتركة واحترام إرادة الشعوب.
وتكتسب تسمية المؤتمر بـ«دورة القدس» دلالة سياسية تتجاوز بعدها الرمزي؛ فالقدس تمثل اختبارًا لمصداقية النظام الدولي، ولمدى التزام القوى الديمقراطية والاجتماعية بمبادئ الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير المصير، فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية والعدالة في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير والحصار، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة.
إن دعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس، ليس موقفًا تضامنيًّا منفصلًا عن المشروع الديمقراطي الاجتماعي، بل جزء أصيل من مضمونه التحرري، فالتحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية مسارات مترابطة، لا يمكن تحقيق أحدها بمعزل عن الآخر.
ونرى أن مسؤولية القوى الديمقراطية الاجتماعية العربية تتجاوز إصدار بيانات التضامن إلى بناء أدوات فعل سياسي وشعبي ونقابي وبرلماني، وتنسيق الجهود لمواجهة الاحتلال وسياساته الاستيطانية، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الإقليمية والدولية، كما أن تعزيز الصمود الفلسطيني يتطلب حماية التعددية السياسية والحريات العامة، وتطوير المؤسسات الوطنية الديمقراطية، وتوسيع المشاركة الشعبية.
إن التحدي الأساسي الذي يواجه التحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي هو الانتقال من التوافق الفكري والسياسي إلى مشروع عملي قادر على التأثير في الواقع، وهذا يتطلب برنامجًا مشتركًا يحدد الأولويات، ويعزز التنسيق بين الأحزاب، ويطور حضورها في أوساط العمال والشباب والنساء والفئات المهمشة، ويعيد بناء الثقة بينها وبين المجتمعات التي يفترض أن تعبِّر عن مصالحها وتطلعاتها.
كما يتطلب مراجعة نقدية للتجارب السابقة، وتجاوز الانقسامات التنظيمية والحسابات الضيقة، وتجديد أدوات العمل الحزبي، وتعزيز الديمقراطية الداخلية والمساءلة والشفافية، فالمطلوب ليس استنساخ تجارب جاهزة، بل بناء صيغة ديمقراطية اجتماعية تستند إلى خصوصية المجتمعات العربية، وتستفيد من التجارب الإنسانية، وتستجيب لحاجات شعوبنا وتطلعاتها إلى الحرية والكرامة والعدالة.
إن «دورة القدس» تمثل فرصة لتحويل المشتركات الفكرية والسياسية إلى برنامج عمل وآليات دائمة للتنسيق والتعاون، بما يجعل التحالف إطارًا فاعلًا في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، فشعوبنا العربية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجتها إلى مشروع واقعي يعيد وصل السياسة بالمجتمع، والحرية بالعدالة، والاستقلال الوطني بالتنمية والديمقراطية.
إن نجاح التحالف لا يقاس بما يصدر عنه من مواقف فحسب، بل بقدرته على تحويل تطلعات الشعوب العربية إلى قوة فعل وتغيير، وبناء بديل ديمقراطي اجتماعي يواجه الاستبداد والتهميش والتبعية، ويفتح آفاقًا أوسع أمام الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
