مقالات الرأي

الثليب تسقط سرديات التهميش


بقلم / عفاف الفرجاني
خمسة عشر عامًا، والمجتمع الدولي يحاول إيجاد تقاطع سياسي يخدم أجندته في ليبيا، وقضايا المرأة ومحاولة تمكينها كانت الحاضرة كمادة للتجاذب الدولي، ليأتي اليوم تكليف المستشارة سامية الثليب برئاسة دائرة جنائية بمحكمة استئناف طرابلس ليطرح سؤالًا يتجاوز حدود التعيين الوظيفي، من يملك حق تقييم مسيرة المرأة الليبية، مؤسساتها الوطنية أم التقارير التي تتحدث باسمها من الخارج؟
في تقديري، إن تولي امرأة رئاسة دائرة جنائية تنظر في القضايا الكبرى ليس تفصيلًا إداريًّا عابرًا، بل مسؤولية قضائية ثقيلة، تتطلب معرفة قانونية راسخة، وقدرة على تقدير الأدلة، واستقلالًا في اتخاذ القرار، والتزامًا بضمانات المحاكمة العادلة. فالقضاء ليس منصة للوجاهة الاجتماعية، ولا مجالًا للمجاملات الرمزية، إنه سلطة تُختبر فيها الكفاءة تحت وطأة المسؤولية، وتُقاس فيها قيمة القاضي بقدرته على تطبيق القانون، بصرف النظر عن جنسه أو انتمائه، فقد وثقت لجنة الحقوقيين الدولية، في تقريرها عن استقلال القضاء والمساءلة والمساواة بين الجنسين في ليبيا، فالقانون رقم 8 لسنة 1989،الذي أقر حق المرأة في شغل الوظائف القضائية والنيابة العامة وإدارة القضايا بالشروط ذاتها المقررة للرجل. هذا يعني أن حضور المرأة في القضاء الليبي لم يكن منحة طارئة، بل مسارًا قانونيًّا ومؤسسيًّا له جذوره وتاريخه. عكس ما تروج له الدول والمنظمات المتداخلة في ليبيا.
الشواهد والتاريخ برغم ما مرت به البلاد من أزمات، فإن المرأة الليبية وصلت إلى مواقع قضائية عليا عبر مسيرة مهنية طويلة، وإن الحديث عن حضورها في القضاء لا يمكن اختزاله في حدث واحد أو مبادرة عابرة.
وللإنصاف، أوردت دراسة بحثية، منشورة لهذا العام 2026، بيانات لوزارة العدل الليبية تعود إلى نوفمبر 2025، تفيد بأن النساء يشكلن 42% من إجمالي أعضاء الهيئات القضائية، و30% من المستشارين والقضاة بمحاكم الاستئناف. وهذه الأرقام، على اختلاف فتراتها وتعريفاتها الوظيفية، تشير إلى تحولات مهمة، لكنها لا تعفي المؤسسات من مواصلة معالجة الفجوات القائمة التي لا تخضع لمبدأ العنصرية، بقدر ما هي راجعة للوضع السياسي والأمني في البلاد.
ومن هنا، فإن تكليف المستشارة سامية الثليب يستحق التقدير بوصفه خطوة في مسار ترسيخ حضور المرأة في مواقع المسؤولية القضائية. غير أن قيمته الحقيقية لا تكمن في استخدامه لنفي كل انتقاد دولي، ولا في تحويله إلى معركة خطابية مع البعثة الأممية أو المنظمات الدولية، بل في تثبيت حقيقة أكثر أهمية أن الإصلاح المؤسسي يُقاس بالقرارات والممارسات والنتائج، لا بالشعارات وحدها.
فالتمكين الحقيقي لا يعني أن تُمنح المرأة موقعًا لأنها امرأة، ولا أن تُحرم منه لأنها امرأة، بل أن تتاح لها الفرصة العادلة، ثم تُحاسب على أدائها وفقًا للمعايير المهنية ذاتها التي يخضع لها الرجل.
وهذا، في جوهره، ما تؤكده المبادئ المهنية والأخلاقية في أي مجتمع.
إن ليبيا لا تحتاج إلى وصاية في تعريف كفاءات نسائها، كما لا تحتاج إلى خطاب إنكاري يتجاهل التحديات الحقيقية التي تواجههن. إنها تحتاج إلى مؤسسات وطنية قوية، ومعايير عادلة، وقضاء مستقل يفتح أبوابه للكفاءة ويحمي حق الجميع في العدالة.
وحين تتولى امرأة ليبية رئاسة دائرة جنائية، فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس: كيف نستخدم هذا التكليف في سجال سياسي؟ بل كيف نجعل منه جزءًا من منظومة قضائية لا يُقصى فيها مؤهل، ولا يُحصّن فيها مقصر، ولا تعلو فيها سلطة على القانون؟
فالدولة التي تثق بكفاءات أبنائها وبناتها لا تحتاج إلى شهادات تزكية من الخارج، لكنها لا تخشى أيضا النقد الموضوعي. والتمكين الذي يستحق الاحتفاء هو الذي تحميه المؤسسات، وتثبته الكفاءة، وتصونه سيادة القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى