مقالات الرأي

تحرير ليبيا واستعادة الدولة (2)



قاسم صنبير

تجارب الدول عديدة ومختلفة بعض الأحيان، حيث تطلب بناء الدولة سلطة حاكمة مركزية سيطرت على الدولة وأنهت الفوضى ثم اهتمت ببناء مؤسسات الدولة ورعتها حتى ترسخت، فالمؤسسات طورت نفسها، ثم الانتقال التدريجي للديمقراطية التي نعرفها اليوم، وهذه النتيجة أسهم فيها مفكرون ومثقفون وساسة وعسكريون وكافة النخب، فكانت النتيجة إنتاج النموذج المتعارف عليه اليوم رغم الانتقادات التي توجه للممارسة الديمقراطية الحالية إلا أن المبادئ التي تحكمها كلها هي نفسها وهي فصل السلطات وفق مبدأ مانتيسكيو التشريعية والقضائية والتنفيذية، أي عدم تركيز السلطة في يد فرد أو مؤسسة واحدة، أي ترسيخ فكرة الرقابة المتبادلة والتوازن بين السلطات.

هذه الأفكار أسست للدساتير الحديثة المبنية على أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن الحاكم يستمد شرعيته من الشعب، والفرد ليس تابعًا للحكومة، بل شريكا في صناعتها، والقانون يجب أن يعبر عن الإرادة العامة. هذه أهم الأفكار التي صاغها جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي الذي كان له الأثر الكبير في الثورة الفرنسية التي طورت فيما بعد مفهوم السيادة الشعبية.

إسهامات فولتير أيضًا في حرية التعبير والتسامح أسهمت في ثقافة النقد الفكري، بالدفاع عن حرية التفكير والتعبير ومقاومة التعصب الديني والفكري والدعوة إلى التسامح وسيادة العقل ونقد الاستبداد.

ودوتوكفيل صاحب كتاب الديمقراطية في أمريكا، حيث لم يدرس الديمقراطية بوصفها انتخابات ودستورًا فقط، بل بوصفها ثقافة اجتماعية ومؤسسات وعادات يومية.

إيمانويل كانط ومساهمته في تطوير الفكر السياسي الحديث بالتأكيد على كرامة الإنسان واستقلال إرادته والدفاع عن الحرية في إطار القانون والدعوة إلى النظام الجمهوري والحكم الدستوري وتعزيز فكرة السلام بين الدول القائمة على القانون.

والألماني يورغن هابرماس أبرز المفكرين الذين طوروا نظرية الديمقراطية التداولية، وأهم أفكاره ألا تقتصر الديمقراطية على التصويت، ويجب أن تقوم القرارات العامة على النقاش والحوار العقلاني، وضرورة وجود فضاء عام حر تتفاعل فيه الآراء وأهمية الإعلام المستقل وشرعية القرارات ترتبط بإمكان مناقشتها ومشاركة المواطنين في تشكيلها، أي فهم الديمقراطية على أنها عملية مستمرة لصناعة التوافق العام وليس مجرد إجراء انتخابي.

وفي الهند الدكتور بي آر امبيدكار أبرز مهندسي الدستور الهندي، حيث أسهم في ترسيخ المساواة أمام القانون وحماية حقوق الفئات المهمشة ومكافحة التمييز الطبقي والاجتماعي ودعم الحريات الأساسية، وربط الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية. وتوضح التجربة الهندية أن بناء الديمقراطية لا يكتمل بمجرد إجراء الانتخابات، بل يحتاج أيضًا إلى معالجة التفاوت الاجتماعي وضمان المواطنة المتساوية.

أضف إلى ذلك تجربة جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا والانتقال من الفصل العنصري إلى الديمقراطية مثًل تجربة سياسية فريدة من نوعها من خلال النضال ضد نظام الفصل العنصري والمطالبة بالمساواة السياسية والحقوق المدنية والمشاركة في مفاوضات الانتقال السياسي ودعم المصالحة الوطنية وتأسيس دولة المواطنة، وشهدت جنوب أفريقيا أول انتخابات وطنية ديمقراطية شاملة لجميع الأعراق، وأصبح مانديلا رئيسًا للبلاد.

هذه الأفكار لم تنتج الديمقراطية وحدها، فقد احتاجت إلى قوى اجتماعية منظمة وأحزاب ونقابات وتنظيمات شعبية وإعلام حر مستقل وقضاء مستقل ومؤسسات قادرة على فرض القانون.

الدرس الذي يجب الاستفادة من التجارب السابقة هو التفكير بمستقبل الدولة الليبية فإن المسألة تتجاوز نقل النماذج السابقة الأوروبية أو الأمريكية أو الهندية أو غيرها، فالحالة الليبية لها ظروفها كأي نموذج آخر، حيث إن لكل مجتمع خصوصياته، وإن فضلنا أسلوبًا عن آخر، فمهمة بناء الدولة أساسي، فالانتخابات لا تكفي إذا لم توجد مؤسسات موحدة وقادرة على تنفيد القانون، ولا ينبغي تجميع كل السلطات في جهة واحدة، والمواطنة تكون أساس الحقوق والحريات بعيدًا عن الانتماءات القبلية والجهوية والمناطقية وبناء مجتمع مدني فاعل يضم كل القوى من اتحادات ونقابات والأحزاب والجامعات والجمعيات المهنية والمشاركة السياسية ورفع مستوى وعي الأفراد للإسهام في عملية البناء وضمان تداول السلطة وإصلاح التعليم حيث لا يمكن بناء ديمقراطية مستقرة دون مواطن يمتلك القدرة على التفكير النقدي وفهم حقوقه وواجباته، ولا يمكن تأسيس نظام ديمقراطي مستقر دون معالجة المظالم وإيجاد قواعد مشتركة للتعايش.

إن الديمقراطية النيابية لم تمنح للشعوب على طبق من ذهب، ولم تنشأ بقرار من حاكم أو ببيان صادر عن سلطة سياسية، بل كانت ثمرة صراع طويل بين الفكر والاستبداد وبين الحرية والوصاية وبين حق الإنسان في تقرير مصيره واحتكار السلطة لمصادر القرار، فقد احتاجت إنجلترا إلى قرون من التحولات الدستورية، واحتاجت فرنسا إلى ثورات وصراعات سياسية وفكرية واجتاحت أمريكا إلى بناء دستوري يوازن بين السلطات، واحتاجت الهند إلى صياغة دستور يراعي التنوع الاجتماعي، واحتاجت جنوب أفريقيا إلى مفاوضات تاريخيّة أنهت الفصل العنصري وأرست حق الاقتراع لجميع المواطنين.

إن تحرير الوطن لبس بإسقاط سلطة أو تغيير أشخاص، وإنما يكتمل ببناء المؤسسات، والقانون دولة لا يخضع فيها للأشخاص ولا تصبح فيها السلطة غنيمة ولا يكون فيها المواطن تابعًا للحاكم، بل يكون الحاكم مسؤولًا أمام المواطن، فالمطلوب ليس تحرير ليبيا من سلطة إلى سلطة وإنما تحريرها من ثقافة الاستبداد واحتكار القرار، والانتقال بها من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية.

يلزمنا هذا أن نراعي إسهامات الشعوب والاستفادة من تجاربها، ولا ضير أن ننظر أن نراجع أيضًا مسارنا السياسي منذ تكوين الدولة لا إلى ثقافة أنا أملك الحقيقة والآخر يخضع لما أقول، كما أن تعصب القلة سيؤدي حتما إلى التصادم. والقوى المتمترسة خلف السلاح آن لها أن تنضم إلى السلام المجتمعي الذي ربما ينجز المطلوب بتوحيد البلاد وينتج حكومة موحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى