لصوص بامتيازات الدولة

بقلم / عفاف الفرجاني
بعد تصريحات النائب العام الأخيرة، أرى أنه لم يعد ملف الوقود في ليبيا أزمة طوابير، بل أصبح مرآة لانكشاف الدولة، فعندما يقول النائب العام الصديق الصور إن نحو 70% من الوقود ومشتقاته يذهب لشخصيات اعتبارية وجهات عامة وخاصة دون وجه حق، فهو لا يقدم إحصائية، بل يعلن إفلاس منظومة الدعم.
الرقم صادم لأنه يضعنا أمام حقيقة أن الدعم الذي يكلف الخزينة أكثر من 12 مليار دولار سنويًّا ويستحوذ على 41% من إيرادات النفط، لم يعد يصل إلى المواطن. وفق تحقيقات النيابة، يتم بيع ملايين اللترات بثمن مدعوم قدره 150 درهمًا، بينما سعرها العالمي يتجاوز 637 دولارًا للطن، في عمليات شملت 22 مليون لتر لصالح سفن أجنبية فقط.
وتشير تقديرات لجنة أزمة الوقود إلى أن هناك تهريب 15 مليون لتر يوميًّا بحرًا و4 ملايين برًّا.
ما كشفه الصور أخطر من الأرقام. حيث تم ضبط مصنع وهمي للمذيبات، واستقدام عمالة أجنبية أسبوعيًّا لاستلام الشحنات، وكيانات أمنية موازية تتلقى الوقود خارج القنوات الرسمية، والكارثي في القضية أن هناك جهات قامت بتهريب صاحبه.
هذه ليست تجاوزات فردية، بل اقتصاد ظل منظم يدار عبر بعض شركات التوزيع الخاضعة، بتعبير النائب العام نفسه، لنفوذ جماعات متورطة في التهريب.
على حسب قول الصديق، الدولة ردَّت بإغلاق 32 موزعًا بين الزاوية ورأس اجدير، وحظر أكثر من 500 محطة مخالفة، وحبس مسؤولين في شركة البريقة.
لكن التاريخ يرجع ويذكرنا أن تحقيق 2017 الذي قدر الخسائر بنصف مليار دينار وأصدر حظر سفر بحق أربعة رؤساء شركات، لم يوقف النزيف ولم يكن رادعًا للمجرمين، فالذي تقدره المؤسسة الوطنية للنفط اليوم بـ 750 مليون دولار سنويًّا، ويقدره البنك الدولي بـ 495 مليون لتر مهرب.
أكتب هذا ليس دفاعًا عن رفع الدعم ولا تبريرًا له، لأن هذا الحل سيزيد من صعوبة معيشة المواطن في ظل وجود هذه المنظومة الفاسدة من المهربين وذيولهم، بل تساؤلًا نخبويًّا.
كيف نطلب من المواطن أن يثق في إصلاح اقتصادي بينما 70% من حقه المسروق يدار أمام عينيه؟ معركة الوقود ليست تقنية، ولا معركة مواطن، بل معركة سيادة وشرعية. إما أن تربحها الدولة، وإما أن يخسرها المواطن.
