مقالات الرأي

النفي سياسة استعمارية

لم تكن ذكرى 26 أكتوبر يومًا عاديًّا في الذاكرة الليبية، فهي ذكرى واحدة من أبشع جرائم الاستعمار الإيطالي، حين أقدمت سلطات الاحتلال عام 1911 على نفي نحو خمسة آلاف ليبي قسرًا إلى الجزر الإيطالية، في واحدة من أكبر عمليات التهجير الجماعي التي عرفها ذلك العصر، رجال ونساء وشيوخ وأسر اقتلعوا من مدنهم وقراهم، وألقي بهم في جزر نائية وظروف قاسية، عقابًا لهم على مقاومتهم للاحتلال وتمسكهم بأرضهم ووطنهم.

وعلى مدى عقود، ظلت ليبيا تستحضر هذه الجريمة باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية، فتعلن الحداد، وتنكس الأعلام، وتخصص المدارس والإذاعات والصحف مساحات لاستعادة تفاصيل المأساة، وتلتزم البلاد في هذا اليوم بدقائق صمت ترحمًا على أرواح المنفيين، لم يكن ذلك مجرد طقس سنوي، بل تأكيدًا على أن الوطن لا ينسى من دفعوا ثمن الدفاع عنه.

لكن هذه الذاكرة الوطنية تراجعت بعد عام 2011، حين سقطت الدولة تحت وطأة العدوان الخارجي، واغتيلت قيادتها الوطنية، وفتحت البلاد مجددًا أمام التدخل الأجنبي وأدواته المحلية، ولم يعد التهجير مجرد صفحة من تاريخ الاستعمار، بل تحول إلى واقع عاشه مئات الآلاف من الليبيين الذين اقتلعوا من مدنهم وقراهم، في مشهد أعاد إلى الذاكرة واحدة من أخطر سياسات الاحتلال تفريغ الأرض من أهلها وفرض واقع جديد عليها.

إن النفي والتهجير ليسا حادثين منفصلين في تاريخ المنطقة، بل جزء من سياسة استعمارية ممتدة، عرفتها ليبيا وتونس والجزائر، ولا تزال فلسطين المحتلة تعيش أبشع صورها، ومن هنا تكتسب ذكرى المنفيين معناها اليوم؛ فاستعادة الذاكرة ليست استحضارًا للماضي فقط، بل دفاع عن حق الشعوب في أرضها، ورفض لكل مشروع يستهدف اقتلاعها أو إعادة تشكيل أوطانها خدمةً لمصالح المحتل.

زر الذهاب إلى الأعلى