ليبيا ومصر.. ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا

ناصر سعيد
عندما تتداخل السياسة بالمصالح الإقليمية، تصبح بعض الملفات قابلة للتصعيد الإعلامي أكثر مما تحتمل في الواقع، وهذا ما ينبغي التنبه إليه اليوم في العلاقة الليبية المصرية، خصوصًا بعد تصديق مجلس النواب على الاتفاقية البحرية والاقتصادية الموقَّعة مع تركيا، وما رافق ذلك من مواقف مصرية رافضة، وجدال إعلامي وسياسي تجاوز أحيانًا حدود الخلاف حول اتفاقية محددة.
الخلاف السياسي مشروع، وتباين المصالح بين الدول أمر طبيعي، لكن الخطأ هو تحويل خلاف سياسي إلى خصومة شعبية، أو تقديم العلاقة الليبية المصرية وكأنها رهينة لموقف من اتفاقية أو ملف إقليمي.
مصر وليبيا ليستا دولتين متجاورتين فحسب، بينهما تاريخ طويل، وروابط اجتماعية وثقافية عميقة، ومصالح اقتصادية متشابكة، وأمن قومي متداخل تفرضه الجغرافيا قبل السياسة، الحدود بين البلدين ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل امتداد طبيعي لأمن مشترك، واستقرار أحد البلدين لا يمكن فصله عن استقرار الآخر.
ولهذا، فإن الملفات الخلافية، مهما كانت حساسيتها، يجب أن تعالج بالعقل السياسي الهادئ، وبالحوار المباشر بين المؤسسات، لا بالمنابر الإعلامية ولا بحملات التخوين والاتهامات، فالعلاقات بين الدول لا تبنى على ردود الأفعال.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على العلاقة مع مصر لا يعني التنازل عن السيادة الليبية أو ترك الملفات الوطنية رهينة للتوازنات الإقليمية، السيادة ليست موقفًا ضد دولة شقيقة، كما أن الصداقة لا تعني التنازل عن الحق في اتخاذ القرار الوطني المستقل طالما لا يشكل ضررًا للآخرين، المطلوب هو أن تدافع ليبيا عن مصالحها بالحجة والقانون والتفاوض، وأن تسمع القاهرة هواجسها كما تسمع طرابلس وبنغازي هواجس مصر ومصالحها الأمنية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوار ليبي مصري مباشر، هادئ وصريح، يضع الملفات الخلافية على الطاولة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، ويمكن لمثل هذا الحوار أن يبحث الاتفاقية البحرية وتداعياتها، وترسيم الحدود والمصالح الاقتصادية والأمن الحدودي، وأن يصل إلى تفاهمات تمنع الخلاف من التحول إلى أزمة مفتوحة.
كما أن الاتفاقية البحرية نفسها لا يمكن فصلها عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع مصالح تركيا ومصر واليونان وقبرص وغيرها من الأطراف حول الطاقة والحدود البحرية والنفوذ في شرق المتوسط، ومن الخطأ أن تتحول ليبيا إلى ساحة جديدة لتصفية حسابات إقليمية، أو أن ينظر إلى علاقتها بمصر من خلال هذا الملف.
لقد مرت العلاقات الليبية المصرية بمراحل وظروف سياسية مختلفة، لكنها بقيت أكبر من الحكومات والأزمات والخلافات الظرفية، وما تحتاجه المرحلة الراهنة هو المزيد من التنسيق، لا المزيد من التوتر؛ والمزيد من الحوار، لا رفع سقف الحملات الإعلامية.
ليبيا تحتاج مصر، ومصر تحتاج ليبيا، وهذه ليست مجاملة سياسية، بل حقيقة يفرضها التاريخ والجغرافيا والأمن والمصلحة المشتركة.
ومن هنا يجب أن يكون الموقف واضحًا نختلف في السياسة، نتحاور في المصالح، ونفاوض في الملفات، لكننا لا نسمح للخلافات بأن تمس علاقة أخوية واستراتيجية أكبر من كل اتفاقية وأكبر من كل ظرف سياسي، فالسيادة الليبية لا تكتمل بالعزلة، كما أن العلاقة مع الأشقاء لا تكتمل إلا بالندية والاحترام المتبادل.
