حين تصبح رقع النظام الصحي عللًا فيه

علي المبروك أبو قرين
إن رقع النظام الصحي الليبي لم تعد مجرد فجوات يمكن سدها بقرارات عشوائية أو معالجات مؤقتة، لقد اتسعت وتكاثرت حتى أصبحت الرقع نفسها مواضع خلل، وتحولت محاولات الترقيع إلى جزء من المشكلة. فغياب التخطيط وسوء الإدارة والإهمال وغياب الرؤية المتكاملة والإرادة الإصلاحية إلى جانب الظروف التي مرت وتمر بها البلاد عمَّقت الفجوات وأضعفت بنية النظام الصحي وقدرته على الاستجابة لاحتياجات المجتمع. وحين تتراكم الاختلالات وتتداخل أسبابها ونتائجها لا يعود الترميم كافيًا، وإنما تصبح إعادة البناء ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. تبدأ الفجوة من السكان والمكان والاحتياجات المتغيرة، فقد تزايد السكان وتبدلت احتياجاتهم وتوزيعاتهم الجغرافية، بينما تقادمت مرافق صحية كثيرة وتهالكت بنيتها التحتية، وتراجعت قدرتها الاستيعابية والتشغيلية، وغابت عنها التجهيزات والتقنيات اللازمة للطب الحديث. وهكذا اتسعت المسافة بين احتياجات المواطنين وقدرات المؤسسات، وبين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل. ولم تعد الفجوة مقتصرة على المباني والأجهزة وإنما امتدت إلى فلسفة الخدمات الصحية نفسها. فالعالم يتقدم نحو الصحة الاستباقية والتنبؤية والوقائية والصحة العامة وصحة المجتمع والصحة الواحدة والرعاية الفردية والمنزلية والمصاحبة.
وهذه التحولات تتطلب كوادر مؤهلة، ومختبرات مرجعية، وسجلات صحية إلكترونية وبنية رقمية متكاملة وبرامج مستمرة للتوعية ومحو الأمية الصحية وتغيير أنماط الحياة. كما تتطلب استعدادًا علميًّا ومؤسسيًّا لمواجهة التحديات الصحية والبيئية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية، وآثار الحروب والهجرات والأوبئة والكوارث. فالوقاية والكشف المبكر ليسا حملات موسمية وإنما مسؤولية دائمة تسبق المرض ومضاعفاته. وتظل الفجوة البشرية الأخطر، إذ يحتاج النظام إلى تعزيز كوادر الصحة العامة والطب الوقائي وطب الأسرة والمجتمع والصحة النفسية والصحة الواحدة والرعاية المنزلية وإدارة الأمراض المزمنة، فضلًا عن المتخصصين في الصحة الرقمية والوبائيات والبحث العلمي.
وتتسع الفجوة كذلك في التخصصات الطبية الأساسية والدقيقة، من الأطفال والنساء والولادة والباطنة والجراحة والقلب والأعصاب والعظام، إلى الأورام والطوارئ والحوادث والرعاية الحرجة والأمراض المناعية والنادرة والمعقدة. وفي الوقت الذي تتقدم فيه العلوم نحو الطب الجيني والخلوي والتجديدي والدقيق والتقنيات التشخيصية والعلاجية المتطورة لا تزال الحاجة قائمة إلى سد النقص في التخصصات الجوهرية وتأهيل أجيال جديدة من الاختصاصيين. والحل ليس في استيراد المسميات أو التوسع العشوائي وإنما في خريطة وطنية تربط التخصصات بعبء المرض والأولويات الصحية والقدرات التدريبية والمستقبل العلمي.
أما الفجوة الأعمق فهي التعليم الطبي والتدريب السريري والبحث العلمي. فلا تُصنع الكفاءات بتكثير الجامعات والكليات أو زيادة أعداد المقبولين وإنما بمؤسسات أكاديمية حكومية معتمدة، ومناهج حديثة وأعضاء هيئة تدريس مؤهلين، ومستشفيات جامعية مرجعية ومراكز محاكاة، وتدريب سريري منظم، وبحث علمي ينتج المعرفة ويخدم المجتمع. وتحتاج ليبيا إلى مراجعة خريطة التعليم الطبي والصحي وربط القبول بالاحتياجات الوطنية والقدرة التدريبية الفعلية، وبناء شراكات رصينة مع الجامعات والمراكز العالمية المعتمدة. فالشهادة التي لا تسندها كفاءة، والتدريب الذي لا يضمن الممارسة الآمنة، فجوتان تهددان المريض ومستقبل المهنة معًا. وتتعاظم الأزمة مع تشتت الهياكل والجهات والأجسام والصناديق والموارد والمسؤوليات. لذلك لا يكفي إصلاح المرافق منفردة وإنما يجب بناء منظومة صحية وطنية موحدة ومتكاملة تقوم على التخطيط العلمي والتمويل المستدام والحوكمة والمساءلة والعدالة في توزيع الخدمات، وتربط الوقاية بالتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية، وتحقق التغطية الصحية الشاملة وتجعل صحة الإنسان وعافيته والعمر الصحي والرفاه أهدافًا وطنية أصيلة. ويقتضي ذلك وقف كل ممارسة تعليمية أو تدريبية أو تجارية تتعارض مع المعايير العلمية والجودة والسلامة ومحاسبة المخالفات، وإغلاق المؤسسات والبرامج التي يثبت عجزها عن استيفاء المتطلبات وفق القانون. فلا يجوز أن تتحول حاجة الناس إلى العلاج أو حاجة الشباب إلى التعليم والتخصص إلى فرصة للمتاجرة.
كما أن إعادة البناء لا تعني الهدم الارتجالي لما هو قائم إنما انتقالًا منظمًا يحمي المرضى ويضمن استمرار الخدمات، ويعيد توجيه الموارد وفق الأولويات. إن ليبيا لا تحتاج إلى رقع جديدة فوق رقع قديمة ولا إلى هياكل حديثة الأسماء تستنسخ آليات العمل ذاتها وإنما تحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء البنية التحتية ويؤهل الكوادر ويطور التعليم والتدريب والبحث، ويؤسس للتحول الرقمي، ويعزز الوقاية والصحة العامة وفق مراحل تنفيذ واضحة ومسؤوليات معلنة ومؤشرات قابلة للقياس. فالرقع حين تتسع تصبح شاهدًا على أن النسيج فقد قدرته على الاحتمال، والفجوات حين تتداخل لا تُردم بمجرد زيادة الإنفاق.
إن أخطر ما يواجه النظام الصحي الليبي هو الاعتياد على الاختلال حتى يبدو قدرًا لا يتغير. والصحة لا تُبنى بالترقيع الدائم ولا تُستعاد بتدوير أسباب العطب وإنما بإرادة علمية ومؤسسية تواجه الخلل من جذوره. وإذا لم تبدأ إعادة البناء العاجلة فستواصل الرقع اتساعها والفجوات عمقها وتكلفتها، وسيظل النظام الصحي يدفع نحو الهاوية بدل أن يجد طريق الخروج منها.
