على الحدود.. حين تلاحمت المقاومة الوطنية التونسية والليبية – الجزء الثاني

بقلم: محمد نبيغ
بئر القصيرة: الجبهة لا تهدأ: في 4 مارس 1916 تعرض موقع بئر القصيرة لهجوم جديد، لكنه لم يسقط.
وكان واضحًا أن المواجهة لم تعد حادثة عابرة على الحدود، بل تحولت إلى جبهة استنزاف طويلة، تحاول فيها القوات الاستعمارية حماية المواقع والمياه والطرق، بينما تستفيد المقاومة من اتساع المجال وصعوبة السيطرة على الصحراء والجبال.
وكان المجال الحدودي يوفر للمقاومة إمكانية الحركة والاتصال والاختفاء، ويجعل السيطرة الفرنسية أكثر كلفة وتعقيدًا.
جوان 1916: ذهيبة ورمادة في قلب المعركة: بلغت المواجهة ذروتها في يونيو 1916.
في 19 يونيو تعرضت ذهيبة للقصف المدفعي، واستُعملت قطعتان إيطاليتان استولت عليهما المقاومة. ثم حوصرت رمادة: تحركت القوات الفرنسية لإنقاذ الحامية، لكن أعمدة الإغاثة تكبدت خسائر كبيرة، قبل أن تتمكن قوة ثالثة من حسم المواجهة في 28 يونيو 1916 وإلحاق الهزيمة بقوات خليفة بن عسكر.
وتورد المصادر الفرنسية رقمًا ثقيلًا: 158 قتيلًا أو مفقودًا في صفوف القوات الفرنسية في مجموع معارك يونيو. وهذا الرقم لا يخص معركة واحدة، وإنما مجموع العمليات التي شهدتها المنطقة خلال تلك الفترة. أما خسائر المقاومة الوطنية التونسية والمقاومة الوطنية الليبية، فلا تقدم الوثائق المتاحة رقمًا نهائيًّا يمكن اعتماده بثقة.
جبهة أرهقت الاستعمار: لم تكن المشكلة في موقع عسكري واحد، بل في الجغرافيا نفسها. كان المجال الممتد بين نالوت وجبل نفوسة وذهيبة ورمادة فضاءً للحركة البشرية قبل أن يكون حدودًا سياسية. وكانت الروابط الاجتماعية والاقتصادية أقدم من الخرائط الاستعمارية. ولهذا لم يستطع الفرنسيون التعامل مع الجنوب باعتباره حدودًا هادئة. اضطروا إلى نشر قوة كبيرة، وتذكر مصادر تاريخية أن عدد القوات الفرنسية الموجودة في الجنوب بلغ نحو 15 ألف رجل خلال سنوات الحرب.
كان عليهم أن يحرسوا المواقع والآبار والطرق، وأن يراقبوا حركة مقاومة تستطيع الاستفادة من الجبل والصحراء، وأن تجد في المجال المقابل للحدود مجالًا للحركة والاتصال.
وهنا تتضح قيمة التلاحم بين المقاومتين: لم تكن المقاومة الوطنية التونسية امتدادًا تنظيميًّا للمقاومة الوطنية الليبية، ولم تكن المقاومة الوطنية الليبية قيادة للمقاومة الوطنية التونسية؛ لكنهما التقتا في الميدان، وتقاطع نضالهما في مجال جغرافي واحد، واستفاد كل طرف بدرجات مختلفة من شبكة بشرية واجتماعية لم تستطع الحدود الاستعمارية تفكيكها بالكامل.
التلاحم.. لا الأسطورة: حين نتحدث اليوم عن التلاحم بين المقاومة الوطنية التونسية والمقاومة الوطنية الليبية، فإن إنصاف التاريخ لا يكون بتحويل هذا التلاحم إلى أسطورة، ولا بنفيه بحجة عدم وجود جيش موحد.
الحقيقة أكثر دقة، وأكثر قوة: كانت لكل مقاومة قياداتها وظروفها وحساباتها، لكن الجغرافيا جمعت بينهما. وكان هناك انتقال للرجال والسلاح والمعلومات، وتداخل في المجال، ومساندة وملاذ، وتقاطع في العمليات، وتفاعل بين سكان الجنوب التونسي والمقاومة الوطنية الليبية القادمة من المجال الطرابلسي. وفي بعض المواجهات ظهر هذا التداخل بصورة مباشرة، بينما ظل في مواجهات أخرى في صورة دعم أو اتصال أو حركة عبر الحدود. وهذا هو التلاحم الحقيقي: ليس إلغاء الفوارق بين المقاومتين، وإنما قدرتهما على الالتقاء عندما فرضت الجغرافيا والاستعمار معركة مشتركة.
ومن أوزّن وذهيبة إلى بئر رمثة وأم الصويغ، ومن بئر القصيرة إلى رمادة، بقيت تلك الجبهة شاهدة على زمن كانت فيه الشعوب تعرف بعضها قبل أن تعرف الخرائط كيف تفصل بينها.
لقد رسم الاستعمار الحدود بالقلم، وحاول أن يجعل منها جدارًا بين بلدين؛ لكن الجبل والصحراء والإنسان ظلوا يعبرونها. رسم الاستعمار الحدود بالقلم، لكن المقاومة عبرتها بالقدم. كانت الحدود على الورق، أما المقاومة فكانت على الأرض.
