في مهب السوق

بقلم /مريغان المنفي
تبدو حياة المواطن الليبي وكأنها مشهد يومي من المعاناة. يدخل إلى السوق محمّلًا بآمال بسيطة شراء بعض الخضراوات أو علبة دواء أو ربما علبة حليب، لكنه يصطدم بواقع الأسعار التي تتضاعف بين ليلة وضحاها.. يقف أمام البائع مترددًا يحاول أن يوازن بين ما في جيبه وما يحتاجه بيته فيكتشف أن الدينار الذي كان يكفيه بالأمس لم يعد يساوي شيئًا اليوم. هذا المشهد يتكرر في طوابير المصارف أيضًا حيث ينتظر الناس ساعات طويلة للحصول على سيولة محدودة وكأنهم يتسابقون على فتات لا يسد رمقهم.
الدينار الليبي فقد جزءًا كبيرًا من قيمته أمام الدولار واليورو، وأصبح السوق الموازي هو المرجع الحقيقي للتسعير، المؤسسات المالية التي يفترض أن تحمي الاقتصاد تراجعت أدوارها، فلم تعد قادرة على ضبط الأسعار أو مراقبة السوق، بل حين نضع تحت المجهر سياسات مصرف ليبيا المركزي خلال السنوات الأخيرة، تلك السياسات التي لم تكتفِ بالعجز عن حماية المواطن، بل ساهمت -بشكل مباشر- في تعميق الأزمة الاقتصادية. فالمصرف الذي يفترض أن يكون صمام الأمان للعملة الوطنية وضابطًا لإيقاع السوق اتخذ قرارات نقدية مرتبكة ومرتبطة بالصراع أكثر من ارتباطها بالمنطق الاقتصادي ما جعل المواطن الليبي يدفع الثمن يوميًّا من قوته ومعيشته. وسياسات الاعتمادات المستندية تحولت إلى أداة للتمييز والفساد بدلًا من أن تكون وسيلة لتأمين السلع الأساسية. الاعتمادات التي يمنحها المصرف المركزي للتجار لاستيراد البضائع لم تُدَر بشفافية، بل خضعت للمحاباة والوساطة والمحسوبية ما جعل السلع تصل إلى السوق بأسعار مرتفعة لا تتناسب مع الدعم المفترض، المواطن هنا وجد نفسه أمام سلعة مدعومة على الورق، لكنها في الواقع تُباع بسعر السوق الموازي، وكأن الدعم ذهب إلى جيوب التجار والوسطاء بدلًا من أن يصل إلى المستهلك.
هذه القرارات مجتمعة انعكست بشكل مباشر على حياة المواطن، الأسعار ترتفع بلا منطق، والقدرة الشرائية تنهار، والمدخرات تتآكل. المواطن الليبي اليوم لا يشعر أن هناك مؤسسة تحميه أو تدافع عن حقه في حياة كريمة، بل يرى أن المصرف المركزي ترك المواطن في مواجهة مباشرة مع موجات الغلاء والتضخم العالمي. ومع غياب أدوات الرقابة أصبح كل تاجر يحدد السعر وفق ما يراه مناسبًا دون ضابط أو رقيب لتتضاعف معاناة الناس وتزداد حالات الإفلاس والعجز عن توفير أبسط الحاجات.
هذا المشهد ليس حكرًا على ليبيا وحدها. في لبنان منذ عام 2019 فقدت الليرة أكثر من تسعين بالمئة من قيمتها وانتشرت السوق السوداء للعملة وانهارت الثقة في النظام المصرفي. المواطن اللبناني مثل الليبي وجد نفسه عاجزًا أمام الغلاء فيما تراجعت الطبقة الوسطى وتزايدت معدلات الفقر. لكن لبنان كان مثقلًا بالديون الخارجية والفساد المالي بينما ليبيا تعاني أساسًا من ضعف المؤسسات وانقسام سياسي يضاعف الأزمة.
أما فنزويلا فقد شهدت انهيارًا أكثر دراماتيكية، حيث وصل التضخم إلى مستويات مليونية، وفقد البوليفار قيمته بالكامل تقريبًا. لجأت الحكومة هناك إلى طباعة النقود بلا ضوابط، فانهارت العملة، واضطر المواطنون إلى التعامل بالدولار أو حتى بالذهب والسلع كوسيلة للتبادل. التشابه مع ليبيا يكمن في انتشار السوق الموازي، لكن الاختلاف أن فنزويلا واجهت أزمة بسبب سياسات عشوائية وعقوبات دولية، بينما ليبيا تعيش أزمة مرتبطة بغياب الدولة الموحدة وانقسام المؤسسات.
الانعكاسات الاجتماعية لهذه الأزمات متشابهة: الفقر يتزايد، البطالة ترتفع، والطبقة الوسطى تتآكل. النشاط التجاري ينكمش والاستثمار يتراجع والناس يفقدون الثقة في المؤسسات ما يعمِّق الانقسام الداخلي ويجعل أي إصلاح أكثر صعوبة. المواطن الليبي اليوم يعيش هذه المعاناة يومًا بيوم بين السوق الذي يلتهم دخله والمصرف الذي يعجز عن تلبية حاجاته والغلاء الذي يطارده في كل مكان.
لكن رغم قتامة المشهد فإن التجارب الدولية تقدم دروسًا يمكن الاستفادة منها. من لبنان يمكن استخلاص أهمية مواجهة الفساد المالي والديون الخارجية، ومن فنزويلا ضرورة تجنب السياسات العشوائية. أما في ليبيا فإن الأولوية يجب أن تكون لإعادة بناء المؤسسات المالية على أسس شفافة ومستقلة وتفعيل أدوات الرقابة على السوق لضبط الأسعار وحماية المستهلك وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد المفرط على النفط.
إن ليبيا اليوم في مهب السوق، تتلاطمها موجات الغلاء والتضخم العالمي دون حماية داخلية. المقارنة مع لبنان وفنزويلا تكشف أن أزمة العملة ليست مجرد مسألة مالية، بل أزمة ثقة ومؤسسات. وإذا لم تُبنَ مؤسسات قوية وشفافة فإن الدينار الليبي سيظل رهينة السوق الموازي، والمواطن سيظل في مواجهة ضيق وإفلاس. ومع ذلك فإن الطريق إلى الإصلاح ليس مستحيلًا، بل يبدأ بإرادة سياسية جادة ورؤية اقتصادية واقعية واستفادة واعية من تجارب الآخرين حتى لا يبقى المواطن الليبي أسيرًا لمشهد السوق الذي يبتلع أحلامه يومًا بعد يوم.
إن نقد سياسات المصرف المركزي ليس مجرد خطاب سياسي، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية. فالمصرف الذي يفتقد الرؤية ويغيب عن دوره الأساسي يتحول إلى عبء على الاقتصاد بدلًا من أن يكون أداة إصلاح. المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاحات شكلية، بل إعادة بناء مؤسسة نقدية قوية وشفافة قادرة على ضبط السوق وحماية العملة واستعادة ثقة المواطن. من دون ذلك، سيظل الدينار الليبي في مهب السوق، وسيظل المواطن في مواجهة يومية مع الغلاء والتضخم بلا حماية ولا أمل في غد أفضل
