جغرافيا الغرق وسياسة الاستعراض

بقلم: عفاف الفرجاني
في تقديري، في العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، يبدو أن السلطة أتقنت إدارة المشهد الاحتفالي أكثر مما أتقنت إدارة المدن. فبين المهرجانات الفنية والاحتفاليات الرسمية، ثمة وطن يختبر هشاشة بنيته التحتية عند أول امتحان حقيقي للمطر.
في 10 أكتوبر، انطلقت الدورة الثانية من مهرجان ليبيا السينمائي الدولي للأفلام القصيرة بمعرض طرابلس الدولي، واستمرت عروضه حتى 13 أكتوبر، بمشاركة سينمائيين ليبيين وعرب وأجانب. وفي 13 أكتوبر، انطلقت الدورة التاسعة من مهرجان الزاوية الشامل، الممتدة حتى 17 أكتوبر، ببرنامج ثقافي وفني ورياضي، وبحضور مسؤولين حكوميين وأعضاء من مجلس النواب وقيادات أمنية (ميليشيات) وعسكرية. وقبلها وخلال ذات السنة أقيم مهرجان ليالي المدينة، ومهرجان طرابلس الدولي للمالوف والموشحات، والمهرجان الوطني لفنون ومهارات الطفل… الخ.
لا اعتراض على الفن، وليس لي خصومة مع الفرح، ولا دعوة إلى تجميد الحياة الثقافية. لكن السؤال السياسي والأخلاقي هو: كيف تتقدم واجهة الاحتفال بينما تتراجع الخدمات الأساسية التي يفترض أن تكون أولويات الإنفاق العام؟
في 13 أكتوبر، كشفت الأمطار حجم الاختلال في العاصمة؛ شوارع مغلقة، ومركبات غمرتها المياه، ومنازل ومرافق تضررت، وطرق تعطلت، وانقطاعات كهربائية احترازية. ووفقا للأخبار الرسمية، توفي شخصان جراء تداعيات الفيضانات، فيما وصف المواطنون، في مواقع التواصل الاجتماعي، الوضع بأنه كارثي بعد هطول استمر نحو ساعتين ونصف.
أما شبكة تصريف المياه، فقد أقر متحدث باسم الشركة العامة للمياه والصرف الصحي بأن كميات الأمطار تجاوزت قدرة الشبكة، وأشار إلى تعديات وتوصيلات غير قانونية ومشكلات في بعض محطات الضخ والرفع. وهي تصريحات تفتح باب المساءلة عن الصيانة والتخطيط، لا مجرد تبرير العجز بالطقس.
هنا تتجاوز القضية حدود مهرجان أو مدينة، إنها مسألة أولويات مالية وإدارية. كم أنفق على الاحتفاليات؟ وكم خصص لصيانة شبكات الصرف وفتح المصارف وتنظيف غرف التفتيش وتأهيل الطرق؟ وأين تقارير الإنجاز التي تسمح للمواطن بمقارنة الاعتمادات المالية بالنتائج الميدانية؟
أنا لا أتهم جهة بعينها بإهدار الأموال، لكن من حق الليبيين المطالبة بكشف العقود والمخصصات والنتائج.
المهرجانات تنتهي، والصورة تختفي، أما المواطن فيبقى محاصرًا بالمياه والأعطال.
الدولة لا تقاس بعدد منصات الاحتفال، بل بقدرتها على حماية حياة الناس وصون أموالهم. وعندما تصبح أبسط موجة مطر اختبارًا قاسيًا لمدينة بحجم طرابلس، وميزانية بحجم دولة بترولية غنية، فإن السؤال هنا: هل تملك الجهات المسؤولة أرقامًا منشورة عن تكلفة هذه الفعاليات؟ وفي المقابل، ما حجم الإنفاق الفعلي على صيانة البنية التحتية وتصريف مياه الأمطار في طرابلس؟
