لا تنتظروا المهدي فهو بيننا

بقلم / فوزي عمار
يدعو المفكر الليبي الدكتور المهدي امبيرش منذ سنوات إلى قراءة عربية للقرآن، فهو قرآن عربي مبين، ويدعو إلى تنقية الموروث مما علق به من قراءات ومناهج الأعاجم مثل الزرادشتية وفلسفة الثالوث المسيحية، ويدعو إلى نظام الحلقة العربي واللسان العربي القويم.
المهدي لا يريد لنا نقل ثقافة غربية خارج سياقها، بل يريد قراءة منفتحة على المنهج العربي. ويرى أن الفلسفة وعلم النفس نشأتا في الكهنوت والمعبد، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يرى أن درجة الدكتوراه هي درجة تُعطى للقسيسين بما فيها اللبسة والقبعة التي تختلف عن العمامة العربية.
رغم أن منهج المهدي لم يكتمل، ولكنها صرخة أصيلة ليست للقراءة فقط، بل لنشر الوعي المنهجي العربي والإسلامي الأصيل الذي لم يتأثر بفلاسفة الروم والفرس والرومان وهلوسات التثليث.
للأسف، نحن أمة علَّمتها الهزيمة أن تنتظر. ننتظر المهدي المنتظر في آخر الزمان، وننتظر المخلص في آخر النفق، وننتظر المستثمر الأجنبي ليبني لنا مصنعًا، وننتظر البنك الدولي ليكتب لنا خطة إصلاح.
والمهدي امبيرش يقول لنا ببساطة صادمة: لا تنتظروا أحدًا، المهدي هو منهجكم الذي نسيتموه.
الرجل لا يدعي نبوة ولا يوزع صكوك غفران فكري. كل ما يفعله هو أنه يضع يده على الجرح ويقول لنا: نحن نقرأ القرآن بعيون غير عربية. نقرأه بعين الفارسي الذي كان يرى النار مقدسة، وبعين اليوناني الذي كان يرى أن الإله يحل في الجسد، وبعين الروماني الذي كان يبني إمبراطورية هرمية لا بالحلقة.
القرآن نزل بلسان عربي مبين، لا بلسان مترجم. ونظامنا الاجتماعي لم يكن جامعة ولا أكاديمية ولا ديرًا، كان حلقة. حلقة في السوق، حلقة في المسجد، حلقة في الصحراء. يجلس فيها الكبير والصغير، يسأل ويُسأل، بلا كهنوت وبلا قداسة. العرب لم يعرفوا البابا، ولم يعرفوا أن الحقيقة حكر على رجل يلبس قبعة سوداء مربعة.
تلك القبعة التي نلبسها اليوم ونفرح بها في حفلات التخرج، يقول المهدي إنها ليست منا. عمامتنا كانت بيضاء، تلف الرأس كله، تحميه من الشمس وتفتحه للهواء. أما قبعة الدكتوراه فهي مغلقة من فوق، مربعة، سوداء، لباس القسيس الذي يفصل نفسه عن الناس. نحن لبسنا لباس غيرنا، فلبسنا فكر غيرنا.
لهذا ضِعنا. أدخلنا فلسفة الروم في عقيدتنا فصار الله فكرة مجردة، وأدخلنا زرادشتية الفرس فصار عندنا نور وظلام يتصارعان في كتبنا، وأدخلنا ثالوث المسيحيين فصار عندنا مشايخ معصومون لا يُسألون ولا يتناقشون، ونسينا الأصل: لسان عربي بسيط، مباشر، يقول لك “اعقلها وتوكَّل”.
المهدي لم يكمل مشروعه، صحيح. لكن يكفي أن يبدأ الصرخة. فابن خلدون لم يكمل، وابن رشد حُرق، والكندي اتُهم.
كل صرخة عربية أصيلة تبدأ ناقصة لأنها تولد في زمن الخرافة. وزمن الهزائم. فلا تنتظروا المهدي الذي سيخرج من سرداب في سامراء، المهدي بيننا، يتكلم بلهجتنا الليبية، يكتب على فيسبوك، يجادل في مقهى في طرابلس، ويقول لكم: عودوا إلى حلقتكم، عودوا إلى لسانكم.
لا نقصد بالمهدي هنا مهدي آخر الزمان، فتلك مسألة إيمانية غيبية اختلف حولها الفقهاء، بل نقصد المهدي بمعناه اللغوي، من الهدى والمنهج الهادي.
المهدي ليس رجلًا يأتي، المهدي هو وعي يعود.
