مقالات الرأي

ليبيا بين الأزمة ومسؤولية الكلمة



فرج بوخروبة

لم تعد الأزمة الليبية مجرد خلاف سياسي عابر أو تعثر مؤقت في مسار الانتقال، بل أضحت أزمة وطنية عميقة تتشابك فيها الانقسامات السياسية والمؤسسية مع الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وتتفاقم آثارها على حياة المواطن وأمنه وكرامته وثقته في المستقبل. وبعد سنوات من الاضطراب وتعدد المبادرات وتعثر التسويات، بات الخطر أكبر من استمرار الخلاف على السلطة؛ إنه خطر اعتياد الأزمة، واستنزاف الأمل، وتراجع الإحساس بإمكان قيام دولة تجمع الليبيين تحت مظلة القانون والمواطنة المتساوية. وفي لحظة كهذه، لا يعود الصمت حيادًا، ولا تصبح الكلمة مجرد رأي عابر، بل يغدو الموقف الإعلامي والثقافي مسؤولية وطنية لا تحتمل التردد أو المساومة.

إن استفحال الأزمة يفرض على الإعلامي والصحافي والمثقف الليبي أن يدركوا حجم الدور الذي ينتظرهم، وأن يتجاوزوا الاكتفاء بوصف الأحداث والتعليق عليها إلى الإسهام في فهم جذورها وكشف أسباب استمرارها. فليبيا لا تعاني نقصًا في التصريحات والوعود، بقدر ما تعاني فجوة متسعة بين القول والفعل، وبين تطلعات المواطنين وأداء المؤسسات، وبين الحديث عن المصالحة ومتطلبات تحقيقها على أرض الواقع. ومن هنا، فإن الحاجة ليست إلى خطاب يكرر الشعارات المستهلكة، بل إلى كلمة مسؤولة تضع الحقائق أمام الناس، وتكشف مكامن الخلل، وتواجه محاولات الالتفاف على استحقاقات الدولة، من دون تحريض أو تجريح أو ارتهان لمصلحة ضيقة.

لقد أصبح الإعلام في زمن الأزمات قوة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وقد يكون جسرًا للتفاهم أو وقودًا للانقسام. فحين تتقدم الشائعة على الحقيقة، ويُستبدل التحقق بالإثارة، وتتحول المنابر إلى ساحات لتبادل الاتهامات وتبرير الإخفاقات، يصبح المجتمع أكثر عرضة للتضليل وفقدان الثقة. ولذلك، فإن أول واجبات الإعلامي الحر أن يتحرى الدقة، ويميز بين الخبر والرأي، ويمنح الوقائع حقها في الفحص، وألا يسمح باستغلال منصته لتأجيج الخصومات أو تسويق روايات تخدم أصحاب النفوذ. غير أن المسؤولية لا تعني التستر على الأخطاء أو تجميل الواقع؛ فالإعلام الوطني الجاد هو الذي يكشف القصور والفساد، ويسائل المسؤولين، ويدافع عن حقوق المواطنين، ويجعل المصلحة العامة معيارًا لنقده ومواقفه، أيًّا كانت الجهة التي يطالها ذلك النقد.

أما المثقف، فإن مسؤوليته تتجاوز التعليق على المشهد إلى تفكيك الأفكار التي تغذيه، ومقاومة ثقافة الإقصاء والتخوين، وإعادة الاعتبار للعقل والحوار وقبول الاختلاف. فالأزمة الليبية ليست صراعًا على المواقع والمؤسسات وحدها، بل هي أيضًا أزمة ثقة ومفاهيم وممارسات، تتطلب مراجعة جادة للخطاب الذي يضع الانتماءات الضيقة فوق الانتماء الوطني، ويصور الخصم السياسي عدوًّا لا شريكًا في الوطن. وليس من مهمة المثقف أن يصفق لهذا الطرف أو ذاك، بل أن يحتفظ باستقلاله الفكري، وأن يواجه الجميع بمعيار الحقيقة، وأن يدافع عن المواطنة وسيادة القانون والعدالة، وأن يرفض تحويل المعرفة إلى أداة للتبرير أو الدعاية.

ولا تكتمل هذه المسؤولية بالدعوة المجردة إلى التهدئة والمصالحة؛ فالمصالحة التي تتجاهل أسباب النزاع، أو تتجاوز حقوق المتضررين، أو تكتفي بتفاهمات بين أصحاب المصالح، تظل عرضة للانهيار عند أول اختبار. كما أن السلام لا يعني غياب المواجهة المسلحة فحسب، وإنما يتطلب معالجة المظالم، وصون الحقوق، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وإرساء قواعد واضحة للمساءلة وتداول السلطة بالوسائل السلمية. وهنا ينبغي للإعلاميين والمثقفين أن يطرحوا الأسئلة التي لا يجوز الهروب منها: لماذا تتكرر الإخفاقات؟ ولماذا تتقدم المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية؟ وكيف يمكن إنهاء الانقسام وبناء مؤسسات تخدم المواطن ولا تخضع لأهواء الأفراد وموازين القوة؟ إن طرح هذه الأسئلة ليس تشاؤمًا أو انتقاصًا من الوطن، بل هو بداية الطريق نحو إصلاح حقيقي.

وإلى كل إعلامي وصحافي وكاتب ومفكر ليبي، تذكروا أن المواطن الذي أثقلته الأزمات لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى من ينقل معاناته بأمانة، ويكشف أسبابها، ويمنحه حقه في المعرفة والأمل الواقعي. لا تجعلوا أقلامكم صدى للصراعات، ولا تسمحوا للخلافات الشخصية أو الولاءات الضيقة أن تنتقص من استقلالكم، ولا تستبدلوا شجاعة الحقيقة بمجاملة أصحاب القرار. فالوطنية ليست مديحًا دائمًا، كما أن النقد ليس عداءً للوطن؛ الوطنية الحقة أن نضع مصلحة ليبيا فوق الأشخاص، وأن ندافع عن حق الليبيين في دولة عادلة وآمنة، وأن نرفض كل خطاب يبرر الانقسام أو يجعل استمرار الأزمة أمرًا لا مفر منه.

إن ليبيا اليوم أحوج ما تكون إلى أصوات تجمع ولا تضلل، وتنقد ولا تحرض، وتختلف دون أن تهدم جسور التواصل بين أبنائها. ولا يملك الإعلام والمثقفون وحدهم مفاتيح الحل، لكنهم قادرون على الإسهام في تهيئة الوعي الذي يجعل الحل ممكنًا، وفي حماية المجال العام من الكراهية والتزييف واليأس. فالدولة لا تُبنى بالكلمات وحدها، لكنها لا تنهض من دون كلمة حرة ووعي مسؤول وإرادة وطنية تتقدم على المصالح العابرة.

ستظل ليبيا أكبر من انقساماتها، وأحق من الجميع بأن تُصان وحدتها وكرامة أبنائها. أما الأقلام الصادقة، فمسؤوليتها اليوم أن تكون شاهدة على الحقيقة، وحارسة للأمل، وشريكة في استعادة الثقة وبناء الدولة. فحين تصبح الكلمة موقفًا أخلاقيًّا، والفكرة التزامًا وطنيًّا، والتنوير عملًا لا شعارًا، يمكن لصوت الحكمة أن يشق طريقه وسط الضجيج، وأن يضيء لليبيين درب الخروج من أزمة طال انتظار نهايتها.

زر الذهاب إلى الأعلى