مقالات الرأي

أصابع البرلمان المعطوبة



بقلم/ ناجي إبراهيم

القرار الوحيد النافذ للبرلمان الليبي منتهي الصلاحية والفاقد للولاية هو قرار مضاعفة المرتبات لأعضائه وما يرتبط بها من مزايا وعلاوات وبدل سفر وإقامة وغيرها من الأبواب التي فتحت لهدر المال العام ولم تغلق.

لابد أن نفسر بعض المصطلحات التي وردت في مقدمة الموضوع حتى لا يفسر على أننا ننتقد البرلمان لمصلحة أطراف أخرى فاقدة للشرعية.

منتهي الصلاحية حيث تشكل البرلمان بناءً على إعلان دستوري يمنحه ولاية تمتد لأربع سنوات تعقبها انتخابات برلمانية لتجديد الشرعية وإعادة بناء جديدة تترجم قرار الشعب عن طريق الصندوق وذلك لم يحدث، ما جعل شرعية البرلمان تتآكل حتى صارت قراراته والعدم سواء، وبات عاجزًا عن إلزام السلطة التنفيذية بها.

وفاقد لولايته على كامل الأجهزة التنفيذية، وخصوصُا حكومة جنيف التي لا تراه صاحب ولاية عليها، وذلك ناتج عن تخليه عن ولايته عندما سمح بقبول حكومة فرضتها إرادة غير إرادته، ليس هذا فقط، بل شارك بوفد ضمن لجنة الـ75، ولم تكن المرة الأولى التي يرتكب فيها البرلمان خطأ قاتلًا له ومدشنًا بداية انقسام مؤسسي أنهى بها سلطة منحها له القانون وأوجد شقوقًا وفتحات ليدخل منها السوس الذي أكل كل صلاحياته الدستورية، وكانت السقطة المدوية عندما قبل أن يصبح نصف برلمان ويتقاسم سلطاته مع جسم منتهي الصلاحية الذي تمثل في مجلس الدولة الإخواني لإعادة تدوير سلطة الإخوان في اتفاق الصخيرات، ولم يتمسك بشرعيته القانونية والشعبية وفتح بابًا واسعًا لجدل سياسي ومماحكات عقيمة دفعت به إلى التأسيس لانقسام مؤسسي بتشكيله حكومة موازية لحكومة الصخيرات ما زلنا نعاني تبعاتها حتى اليوم.

البرلمان بدل أن يكون ترجمة لرغبة ناخبيه تحول إلى طرف في مساعي التقسيم الذي تدعمه القوى الخارجية، وبذلك فقد حاضنته الشعبية لضلوعه في تعميق الأزمة وتدوير الفشل، بل شكل غطاءً شرعيًّا لبعض الأطراف التي تستمد استمرارها من فشله في إيجاد مبادرات حقيقية تقود البلاد للخروج من أزمتها.

انخراط البرلمان في المشاركة في حوارات ونقاشات يرعاها الخارج بحجة تقاسم السلطة مع أطراف الأزمة فتح الباب للابتزاز السياسي، وتحول من ممثل للشعب إلى لوبي يعبر عن مصلحة أعضاء البرلمان الشخصية والذي انعكس في تقاسم المناصب السيادية والخدمية بينه وبين مجلس الدولة وحكومة جنيف والمجلس الرئاسي وتغييب الشعب الذي لم يجد أمامه إلا الميادين والشوارع ومنتجع النخيل ليعبر عن مطالبه التي تتعارض مع مطالب أطراف الصراع المتمثلة في سلطة الأمر الواقع.

البرلمانات وفقًا للنظريات السياسية هي تعبير عن إرادة الناخبين، وأعضاؤها هم ممثلو الإرادة العامة مجتمعة (الشعب)، ولا يمكن أن تكون في الخندق الذي يضر بمصلحة الإرادة العامة والتي تعكسها قرارات نواب الشعب وذلك ما لا نراه في مخرجات البرلمان الليبي، الذي تنازل عن نصف سلطاته إلى طرف غير منتخب، وفشل في إيقاف العبث الذي تمارسه الأجهزة التنفيذية، وسمح لأجسام لا تتمتع بشرعية شعبية أن تقاسمه سلطاته الدستورية إرضاءً لرغبات قوى وأطراف خارجية في تجاهل كامل لإرادة الشعب الليبي، ما عمق المشاكل وراكم الأزمة وبعثر الجهود التي تدفع نحو حلول جذرية، وصارت أزماتنا تتراكم وتتدحرج بشكل سريع وكبير، وما نكاد نخرج من أزمة حتى نقع في أخرى.

والجدال والنزاع الذي تفجر حول قانونية المحكمة الدستورية واعتراض ما يسمى مجلس الدولة على تشكيلها لأنها لم تعرض عليه أضاف عنصرًا إضافيًّا لعناصر الأزمة الليبية ووجدنا أنفسنا نذهب إلى انقسام آخر يشمل الجسم القضائي، والذي ما كان يجب أن يُزج به في الصدامات السياسية، وخاصة في ظل الظروف الحالية، وما كان لمجلس النواب أن يتصدى لمثل تلك الموضوعات التي تثير النزاعات النجعاوية الغرائزية التي تفتح أبوابًا للشيطان لينفذ منها.

سيقول البعض إن ذلك حق أصيل للبرلمان، نعم هو كذلك ولكن البرلمان بعد موافقته وانخراطه في اتفاق الصخيرات صارت قراراته منقوصة بدون موافقة ما يسمى مجلس الدولة، والذي أصبح طرفًا مهمًّا وضروريًّا في التشريعات التي يصدرها البرلمان، ولا تصبح نافذة بدون موافقته، ولن تأخد طريقها للتطبيق الفعلي بدون موافقة حكومة جنيف التي جاءت بناء على اتفاق لجنة الـ 75 أيضًا والبرلمان طرف فيه.

من يستطيع الآن أن يعيد الأمور إلى نصابها ويلغي التعديلات الدستورية التي شرعنت اتفاق الصخيرات والتوافقات التي شرعنت اتفاق جنيف، ولذلك مطالبته اليوم بإلغاء الضريبة على ضريبة بيع الدولار لن تجد مجالًا للتنفيذ في ظل سلطة تنفيذية لا تخضع للبرلمان، وهو يعتبرها منتهية بقراره الذي أسقطها وأقام حكومة موازية لها وهي لا تملك سلطة على المؤسسات التنفيذية، والأخرى أن قرار الضريبة مشروط بإطار زمني وفقًا للقرار الصادر عن البرلمان بنهاية سنة 2024 إلا أن المصرف المركزي مستمر في تطبيقها أمام الهدر المالي الذي تعيشه البلاد وتعدد الجهات القضائية والرقابية والتنفيذية وحتى الأمنية.

لا أحد في المشهد قادر على إعادة دواليب الدولة إلى مسارها الطبيعي، فأصابعهم موجوعة ومعطوبة جميعًا.

زر الذهاب إلى الأعلى