استطلاعات الرأي المشبوهة.. حين يتحول القياس إلى تضليل انتخابي

محمد علوش
لا يجوز التعامل مع استطلاعات الرأي باعتبارها حقائق نهائية، ولا منحها حصانة من النقد لمجرد صدورها عن مراكز متخصصة أو نشرها عبر وسائل إعلام، فمصداقية الاستطلاع تقاس بوضوح منهجيته، وشمولية خياراته، وشفافية نتائجه، لا بحجم الضجة التي ترافق نشره، وعندما تغيب هذه الشروط، وتظهر مؤشرات على الانتقائية والانحياز في عرض المشهد الانتخابي، يصبح الاستطلاع موضع شك، وتغدو مساءلة الجهات التي أعدَّته ونشرته ضرورة سياسية ومهنية.
إن بعض الاستطلاعات التي تناولت الانتخابات التشريعية الفلسطينية المؤجلة لا تثير مجرد خلاف حول الأرقام، بل تطرح تساؤلات جدية بشأن طبيعة المعايير المعتمدة، ومدى التزامها بالحياد، وما إذا كانت تقيس اتجاهات الرأي العام فعلًا أم تسهم في صناعة انطباعات مسبقة عن موازين القوى، فالخلل لا يكمن في أن تأتي النتائج مخالفة لتوقعات بعض القوائم، وإنما في أن تقدِّم صورة انتخابية منقوصة، من دون الكشف عن الأسس التي بنيت عليها، أو إتاحة المعلومات الضرورية للتحقق من دقتها وموضوعيتها.
ويبرز هنا تغييب قائمة «ائتلاف فلسطين المستقبل» عن بعض الاستطلاعات أو عن الصورة الإعلامية التي رسمت للمنافسة الانتخابية، وهذا التجاهل، إن لم يستند إلى معايير معلنة وموحدة، يثير شبهة الانتقائية ويضع صدقية النتائج موضع تساؤل، فمن غير المقبول أن تمنح بعض القوائم مساحة واضحة في تقديرات الرأي العام، بينما تهمَّش خيارات أخرى من دون تفسير مهني مقنع، والسؤال المباشر للجهات المعنية: ما المعايير التي اعتمدتموها لإدراج القوائم؟ وهل عرضت الخيارات الانتخابية بصورة متكافئة على المستجيبين؟ وهل تعكس النتائج تفضيلاتهم الفعلية، أم تتأثر بطريقة صياغة الأسئلة وتحديد البدائل وآليات نشر الأرقام؟
إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس مجرد خطأ في التقدير، بل احتمال توظيف الاستطلاعات للتأثير في البيئة الانتخابية، وتوجيه اهتمام الناخبين نحو أطراف بعينها، والإيحاء بأن المنافسة محصورة في قوى محددة سلفًا، فحين تتكرر أسماء قوائم بعينها في التغطيات الإعلامية، بينما يغيب غيرها عن المشهد، لا يعود الأمر مجرد عرض محايد للأرقام؛ إذ يمكن لهذا النمط من النشر أن يكرِّس انطباعات مضللة عن الأوزان السياسية، وأن يؤثر في نظرة الجمهور إلى فرص المنافسة قبل أن تتاح له فرصة التعبير عن إرادته في صناديق الاقتراع.
ومن هنا، فإننا أمام قضية تتجاوز التباين في التقديرات إلى المساءلة عن المسؤولية المهنية، فمراكز الاستطلاع مطالبة بكشف حجم العينات، وآليات اختيارها، وتوزيعها الجغرافي، وتوقيت إجراء القياس، وصياغة الأسئلة، وهامش الخطأ، ونسبة المترددين، ومعايير إدراج القوائم الانتخابية، كما أن وسائل الإعلام التي تتولى نشر هذه النتائج ليست معفاة من المسؤولية؛ إذ لا يجوز لها تحويل أرقام غير مكتملة المعطيات إلى عناوين تقريرية توحي بأنها تمثل حقيقة المشهد الانتخابي، أو إعادة إنتاج نتائج تفتقر إلى الشفافية من دون فحص منهجيتها وحدود دلالاتها.
إن الاستطلاعات التي لا تكشف أسسها بوضوح، أو تقدم خيارات غير متكافئة، لا يمكن التعامل مع مخرجاتها بوصفها مرجعًا موثوقًا للحكم على اتجاهات الناخبين، وإذا كانت الجهات التي تقف وراء هذه الاستطلاعات واثقة من سلامة عملها، فإن الطريق إلى إثبات ذلك واضح: نشر المنهجية والبيانات الأساسية، وتوضيح أسباب إدراج القوائم أو استبعادها، وتمكين الرأي العام من تقييم النتائج وفق معايير موضوعية، أما الاكتفاء بإعلان الأرقام وتداولها إعلاميًّا، فلا يبدد الشكوك، بل يعمِّقها.
ولا يعني ذلك الجزم بوجود تلاعب متعمد من دون أدلة مباشرة، لكنه يعني أن المؤشرات التي تثير الشبهة لا يجوز تجاهلها، وأن الادعاء بالمهنية لا يعفي أحدًا من تقديم ما يثبتها، فالفارق كبير بين استطلاع يخطئ في تقدير النتائج، رغم سلامة إجراءاته، واستطلاع تحجب معاييره أو تنتقى خياراته على نحو يخلُّ بشمولية القياس، وفي الحالتين، تبقى الشفافية هي الفيصل، ولا يجوز استخدام اسم العلم الإحصائي غطاءً لأي ممارسة منحازة أو مضللة.
إن «ائتلاف فلسطين المستقبل» لا يستمد شرعيته السياسية من إدراجه في استطلاع أو استبعاده منه، ولا يحتاج إلى أرقام تمنح له لإثبات حضوره، لكن ذلك لا يعفي الجهات القائمة على القياس والنشر من واجبها في احترام التعددية، ولا يمنحها حق رسم خريطة انتخابية تختزل المنافسة في خيارات محددة، فالاعتراض هنا ليس طلبًا لامتياز خاص، بل رفض لمعايير مزدوجة من شأنها الإضرار بتكافؤ الفرص، وتشويه صورة التنافس، والتأثير في وعي الناخب على أساس معطيات غير مكتملة.
إن تأجيل الانتخابات التشريعية لا يمنح أي جهة حق إعادة تشكيل المشهد السياسي وفق حساباتها أو تقديراتها الخاصة، ولا يحوِّل الاستطلاعات إلى بديل عن الانتخابات أو أداة لتوزيع الأوزان السياسية مسبقًا، فالتعددية لا تقاس بعدد المرات التي تظهر فيها القوائم على الشاشات، ولا تختزل في أرقام تتداولها وسائل الإعلام، بل تختبر بقدرة كل قائمة على عرض برنامجها ومواقفها والوصول إلى المواطنين في بيئة تنافسية عادلة.
إننا أمام استطلاعات تستوجب النقد الصريح والمساءلة الجادة، لا التسليم بنتائجها أو التعامل معها باعتبارها حكمًا مسبقًا على مستقبل المنافسة، فالأرقام التي لا تكشف أسسها لا تكتسب المصداقية بمجرد تكرارها، والنتائج التي تعرض بصورة انتقائية لا تصبح حقيقة بفعل انتشارها الإعلامي، ومن يقدِّم للرأي العام صورة عن اتجاهاته يتحمل مسؤولية إثبات سلامة الأدوات التي أنتجتها.
إن إرادة الناخب الفلسطيني ليست مادة للتلاعب الإعلامي، والتعددية السياسية ليست مساحة يجوز اقتطاعها وفق أهواء القائمين على الاستطلاعات، ومن يحاول اختزال المشهد الانتخابي أو تهميش خيارات قائمة فيه، يضع نفسه أمام سؤال المصداقية والمسؤولية، أما الوزن الحقيقي للقوائم، فلا تصنعه استطلاعات مشبوهة أو عناوين منحازة، بل تحدده ثقة المواطنين، وتحسمه صناديق الاقتراع في انتخابات حرة ونزيهة.
