مقالات الرأي

حين ينحني القانون أمام النفوذ



محمد بوخروبة

في الأوطان التي تختل فيها موازين العدالة لا يكون الظلم دائمًا في غياب القانون، بل في حضوره الانتقائي، حين يهبط بكل ثقله على رؤوس الضعفاء ويتخفف من صرامته أمام أصحاب النفوذ، هناك لا تعود المشكلة في النصوص القانونية، بل في الأيدي التي تطبقها وفي المسافات التي تتسع بين مواطن لا يملك إلا حقه، وآخر يملك من النفوذ ما يجعله يبدو وكأنه فوق المساءلة.

وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على واقعنا الليبي هل أصبح القانون في بلادنا سيفًا على رقاب البسطاء ومظلة يستظل بها المتنفذون؟

إنها ليست مسألة عابرة ولا مجرد تذمر يتردد في المجالس، إنها أزمة ثقة تمس جوهر الدولة وتهدد المعنى الحقيقي للعدالة، فحين يشعر المواطن أن خطأه الصغير يستدعي سرعة العقاب، بينما تتعثر مساءلة أصحاب النفوذ أو تطول إجراءاتها دون تفسير مقنع، يتسلل إلى النفوس شعور مرير بأن العدالة ليست ميزانًا واحدًا، بل موازين تتغير بحسب الأسماء والمناصب والعلاقات.

الضعيف في ليبيا يعرف وجه القانون الصارم، يراه في الإجراءات التي لا تنتظر، وفي المطالب التي لا تتأجل، وفي العقوبات التي لا ترحم ظروفه، أما أصحاب النفوذ فتثار حول بعض القضايا المتعلقة بهم أسئلة مشروعة عن تكافؤ المعاملة، وسرعة الفصل وفاعلية المساءلة، ولسنا بصدد إصدار أحكام على أشخاص أو مؤسسات دون أدلة، لكننا أمام ضرورة لا تقبل التأجيل، أن تتبدد الشكوك بالشفافية لا بالصمت، وأن تجاب أسئلة المواطنين بالوقائع لا بالشعارات..

فليس أخطر على العدالة من أن يعتقد الناس أن تطبيق القانون يتوقف عند حدود القوة، وأن أبواب المحاسبة تضيق كلما ارتفعت المكانة.

إن القضاء الليبي بما يمثله من ركيزة أساسية للدولة، لا ينبغي أن يكون بمنأى عن النقد المسؤول، كما لا يجوز أن يكون هدفًا للاتهامات العشوائية، احترام القضاء لا يعني تقديس الممارسة أو تجاهل مواطن الخلل، بل يعني الدفاع عن استقلاله ومطالبته بأن يظل حصنًا للحقوق، لا أن تلاحق صورته شكوك لا تجد إجابات واضحة.

القاضي النزيه لا يخشى الحقيقة، والمؤسسة الواثقة من عدالتها لا تضيق بالمساءلة، ومن هنا فإن حماية هيبة القضاء تبدأ بتعزيز استقلاله ومنع التدخلات غير المشروعة، وضمان خضوع الجميع للقواعد الإجرائية نفسها، ومحاسبة كل من يثبت استغلاله للمنصب أو النفوذ للتأثير في مسار العدالة.

أما أن يطلب من المواطن أن يثق دون أن يرى ما يعزز ثقته، وأن يصمت حين تتكاثر الأسئلة، فذلك رهان خاسر، الثقة لا تفرض ببيان، ولا تستعاد بخطاب رسمي، بل تبنى حين يرى الناس أن الحق لا يحتاج إلى واسطة، وأن الخصومة لا تحسم بميزان القوة، وأن المنصب لا يمنح صاحبه امتيازًا في مواجهة القانون.

إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في احتمال ضياع حق هنا أو تأخر إنصاف هناك، بل في أن يتحول الشعور بالتمييز إلى قناعة عامة، وأن يفقد المواطن إيمانه بأن القانون هو الملاذ الأخير، عندها تصبح الواسطة بديلًا عن العدالة والنفوذ طريقًا إلى الحقوق، ويغدو الالتزام بالقانون عبئًا يشعر صاحبه أنه يتحمله وحده.

إن بلادنا لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات عن سيادة القانون، بقدر حاجتها إلى ترجمة هذه السيادة إلى ممارسة ملموسة، شفافية في الإجراءات ورقابة قانونية فاعلة، وتحقيق جاد في الشكاوى المدعومة بالأدلة وتنفيذ للأحكام دون انتقائية، وضمانات تحمي القاضي من الضغط، والمواطن من التعسف والمؤسسة من الفساد.

ولن يكون ذلك بتجريم أصحاب النفوذ لمجرد نفوذهم، ولا بالتشكيك في كل حكم لا يرضي طرفًا، وإنما بإقامة معيار واحد للمساءلة، وإتاحة سبل الطعن والتظلم، وكشف الحقيقة حيث يسمح القانون ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته دون اعتبار لاسمه أو موقعه.

إن القانون الذي يشتد على الفقير ويتراخى أمام القوي، إن ثبت ذلك في ممارساته لا يحقق العدالة، بل يكرس امتيازًا ويمنح الظلم ثوبًا قانونيًّا.

وفي النهاية لسنا بحاجة إلى قضاء لا ينتقد، بل إلى قضاء يعلو على الضغوط ولا إلى قانون يخيف الناس، بل إلى قانون يحميهم، ولا إلى دولة تثبت قوتها على أضعف مواطنيها، بل إلى دولة تثبت عدالتها أمام أقوى أصحاب النفوذ.

فحين يصبح ميزان العدالة واحدًا، تستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد القضاء ثقة الناس، ويعرف المواطن أن كرامته ليست مرتبطة بماله أو منصبه أو علاقاته.

فالعدالة التي تنحني أمام النفوذ تفقد شرف رسالتها، والدولة التي لا يتساوى فيها المواطنون أمام القانون تظل ناقصة مهما رفعت من شعارات.

وفي ليبيا لا ينبغي أن يكون طموحنا أن يطبق القانون على الجميع في الخطب، بل أن يشعر به الجميع في الواقع، لأن الوطن الذي لا يجد فيه الضعيف عدالته، لن يجد فيه القوي استقرارًا يدوم.

زر الذهاب إلى الأعلى