ليبيا ومعركة الدولة

هدى حامد الزوي
تقف ليبيا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي وحاسم؛ فبين انسداد الأفق الدبلوماسي وتطلعات ملايين المواطنين لإنهاء المراحل الانتقالية المنهكة، تطرح الأسئلة الأكثر إلحاحًا نفسها بقوة: هل أصبحت الانتخابات أقرب من أي وقت مضى؟ وهل يمكن تشكيل حكومة موحدة تنهي عقدين من التمزق الإداري؟ وما مستقبل التوازن الحذر بين الشرق والغرب والمؤسسة العسكرية؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تستند إلى الأمنيات العاطفية، بل تتطلب تفكيكًا واقعيًّا لـسيناريوهات التحول السياسي ومآلات الدولة. فالصراع لم يعد مجرد خلاف نخبوي على نصوص القوانين، بل أصبح سباقًا مع الزمن يرتبط مباشرة بالوضع المعيشي الصعب، ومساعي القوى المدنية والمرأة والشباب لكسر احتكار المشهد وصناعة التغيير.
الدول لا تُبنى بصفقات تقاسم السلطة المؤقتة، بل باستعادة ثقة المواطن في مؤسسات موحدة وشرعية تحميه وتضمن له حياة كريمة.
تتنوع السيناريوهات السياسية المحتملة بناءً على المحركات الأساسية ومسارات التحقق ميدانيًا والمآلات المتوقعة؛ فالسيناريو الأول يتمثل في التسوية الشاملة والانتخابات، حيث يكون المحرك الأساسي هو توافق مجلسي النواب والدولة برعاية أممية، مسفرًا عن تشكيل حكومة موحدة واستكمال القوانين الانتخابية للوصول إلى انتخابات عامة، وهو ما يؤول سياسيًّا إلى إنهاء المراحل الانتقالية والانتقال إلى الشرعية الدستورية.
أما السيناريو الثاني فهو تشكيل حكومة جديدة دون اقتراع سريع، محركه عقد صفقة نخب جديدة لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، حيث يتجلى على الأرض بتأجيل الانتخابات بسبب الخلافات حول الدستور وشروط الترشح، مما يؤدي إلى دخول مرحلة انتقالية جديدة بوجوه مكررة وتدوير للأزمة.
بينما يمثل السيناريو الثالث استمرار الانقسام المزدوج الناجم عن تعثر الحوار وتمسك كل طرف بنفوذه ومكاسبه، حيث يظهر ميدانيًّا من خلال وجود حكومة في الشرق وأخرى في الغرب مع تنسيق مالي هش، لتكون النتيجة جمودًا سياسيًّا طويل الأجل واستقرارًا أمنيًّا قلقًا.
ويأتي السيناريو الرابع متجسدًا في تصعيد أمني محدود محركه اصطدام المصالح الاقتصادية والأمنية للقوى المسلحة، وينعكس على الأرض باحتكاكات موضعية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مما يؤول إلى تعطيل جهود الوساطة وتفاقم الأعباء على المواطنين.
وأخيرًا، يتطلع السيناريو الخامس إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية مدفوعًا بصعود قيادات شبابية ونسائية وحراك مدني شعبي، يرافقه انتقال تدريجي للنفوذ من نخب 2011 إلى كفاءات جديدة، ليصل في النهاية إلى تأسيس توازن وطني جديد يمثل تطلعات المجتمع الحقيقية.
بينما يتطلع الشارع إلى السيناريو الأول بوصفه المخرج الإيجابي الوحيد، يبرز السيناريو الثاني كفخٍّ سياسي يتطلب أقصى درجات الحذر. فالأطراف قد تتفق بسهولة على تشكيل حكومة جديدة أو إعادة توزيع المناصب السيادية، لكنها سرعان ما ترحِّل ملف الانتخابات بذريعة غياب التوافق على القوانين أو شروط مرشحي الرئاسة.
هذا المسار يمنح انطباعًا خادعًا بوجود حل سياسي، بينما هو في حقيقته إعادة إنتاج للمشكلة ذاتها وتمديد لحالة المراوحة؛ مما يبدد طاقات البلاد ويحرم الشعب من حقه في اختيار ممثليه بحرِّية عبر صناديق الاقتراع.
مرتكزات أساسية لتحقيق العبور نحو الدولة الموحدة
• الحسم التشريعي للقوانين الانتخابية: التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على معايير ترشح عادلة مع القبول المسبق بنتائج الصناديق.
• ربط الحكومة الموحدة بمهام إنجاز الاقتراع: ألا تتحول السلطة التنفيذية إلى هدف دائم، بل إلى أداة لوجستية تدعم المفوضية وتؤمن المراكز.
• استدامة المسار الأمني وتوحيد المؤسسة العسكرية: استثمار جهود لجنة 4+4 لخفض التوتر ومنع الاحتكاكات الموضعية وتأمين الحدود المشتركة.
• تمكين القوى المدنية والشباب والنساء: توسيع المشاركة خارج إطار النخب التقليدية لمنح العملية السياسية شرعية شعبية متجددة.
إن معركة ليبيا الحقيقية اليوم ليست بين الشرق والغرب، بل بين خيار استمرار الانقسام والمصالح الضيقة، وخيار الانطلاق نحو الدولة الموحدة التي تتسع لجميع أبنائها. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الترقيعية لا تصنع استقرارًا، وأن ترحيل الأزمات يزيدها تعقيدًا.
ومع تعاظم الوعي الشعبي وضغط الواقع المعيشي، تملك ليبيا فرصة تاريخية لإعادة كتابة مستقبلها؛ حيث تصبح الصناديق الانتخابية النقطة الفاصلة التي تنهي المراحل الانتقالية، وتبني دولة القانون والعدالة المؤسسية الراسخة.
