مقاييس الأداء المقلوبة

ناجي إبراهيم
أداء المعلم والطبيب لا يجب أن يقاس بنفس المقاييس التي يقاس بها أداء الموظف في الأعمال الإدارية والخدمية وحتى الإنتاجية، وعليه فالمجتمعات التي تقدر أدوار المعلم وأهمية مهنة التعليم، وتعي أهمية الصحة، وتعلي من شأن الطبيب الذي يقف في الصف الأول لمواجهة الأمراض والآفات ويعيد للسقيم عافيته، فهي لا تعامل المعلم والطبيب على عدد الساعات التي يقضيها في الدوام، بل تقيس مدى الخطر الذي يتهدد المجتمع في حال غياب المعلم وانهيار التعليم، وفي حال غياب الطبيب وتدهور الأوضاع الصحية وحجم النفقات التي ستدفعها الدولة فيما لو حدث فراغ صحي وتعليمي، ما يترتب على غياب هذين العمودين الأساسيين في المجتمع هو نفس الفراغ الذي يسببه غياب الأمن، حيث يشهد المجتمع حالة من الفوضى والانفلات وتتداعى معه انهيارات أخرى متتالية ومتوالية تضرب جميع أركان المجتمع بالشلل، ما يؤدي إلى ركود اقتصادي وإفلاس مالي وتوقف تام وشامل في جميع مجالات التنمية، بل وتدمير ما هو موجود من بنى تحتية.
التعليم والصحة عمودان أساسيان لا يقوم المجتمع بدونهما، ولا يستطيع مواجهة التحديات، ولا يقدر على النهوض فهما كما هو الدم في جسم الإنسان إذا أصيب بأي جلطات وتوقف عن التدفق يصاب الجسد بكامله ويتوقف عن الحركة.
الموظف مهما كان حجم المسؤولية التي يتولاها هو قبل أن يصبح مسؤولًا كان تلميذًا عند المعلم، يترك وظيفته نهاية الدوام ويترك أوراقه على الطاولة حتى اليوم التالي، أما المعلم فهو يحمل معه لبيته واجبات الطلاب وأوراق الامتحان وكراسة التحضير لإعداد دروس اليوم التالي، وخاصة إذا كان يدرس أكثر من مقرر دراسي، ولأكثر من صف أو فصل دراسي أو أكتر من مرحلة دراسية، كما هو الطبيب الذي لا يترك عمله بنهاية الدوام، فهو يداوم في متابعة مرضاه وتطور حالاتهم الصحية ويسهر ويناوب في غرفة الحالات الطارئة والمستعجلة، ونجد أن الدولة تقيس دوامهما بدوام الموظف والإداري وحتى المنتج ثماني ساعات عمل، في حين هم يقدمون لمجتمعهم 24 ساعة عمل بدون انقطاع، أنا هنا لا أقصد القاعدين في بيوتهم والذين لا يقدمون الخدمة التعليمية أو الصحية، فهؤلاء يمكن أن يخضعوا لمقاييس ومعايير أخرى غير تلك التي نتحدث عنها، وأيضًا هذه وظيفة يقوم بها المشرع الذي نراه يقف اليوم مكتوف الأيادي وصامتًا أمام حقوق الأطباء والمعلمين ولم يستشعر الخطر الذي يواجه الأجيال القادمة إذا ما استمر هذا العبث بمكانة العلم والمعلمين.
الطبيب والمعلم هما ضحية لسياسات حكومية عشوائية ومتخبطة عمرها خمسة عشر عاما، وغياب المشرع مقطوع الصلة بالمواطن وخاصة المواطنين الذين فوضوه ليكون صوتهم أمام السياسات الحكومية التي أدت إلى إفقارهم وفتحت الباب أمام تغول الرأسماليين وأهدرت الأموال وعائدات النفط على مصالح خاصة لعدد من الأفراد، وزاد من ذلك رضوخها المذل للميليشيات المسلحة المحلية وحتى الدولية، الأمر الذي جعلها غير قادرة على مواجهة المشكلات الاقتصادية وتدني سعر الدينار الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار والتضخم، فلم يستطيع المواطن مواجهتها بمداخيل محدودة.
الحل ليس فقط زيادة المعاشات وخاصة العشوائية التي خلق فوارق طبقية واجتماعية بدأت تظهر جلية وواضحة في الشارع الليبي، ولكن الحلول تكمن في إيجاد سياسة اقتصادية ومالية وحتى توظيفية لموارد البلد بما يتماشى مع الحاجات الضرورية ومقاومة التضخم والفقر وحماية الدينار الليبي من الانهيار ووقف الإنفاق غير الضروري مثل تقليص السفارات والعاملين في الخارج وحتى الطلبة الموفدين على نفقة المجتمع وتقليص العلاج في الخارج ودعم القطاع الصحي في الداخل، ويأتي دعم الطبيب في سلم أولويات هذا الدعم، وتقليص الإنفاق الحكومي وتوحيد المؤسسات ثنائية الإنفاق والصرف.
توجد جملة من السياسات إذا ما أرادت الحكومة التوجه لمواجهة المشكلات التي خلقتها السياسات الخاطئة وتقليص الاحتجاجات التي لن تتوقف عند قطاع التعليم والصحة، بل ستشمل قطاعات أخرى تعاني من انعكاس تلك السياسات على أوضاعهم المعيشية.
ولذلك، نحن ندعم حراك المعلمين والأطباء من أجل نيل حقوقهم، رغم ما سيعكسه هذا الحراك من أضرار بالغة قد تلحق بالقطاعين وعلى الحكومة تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية لمعالجة ما تواجهه الدولة والمجتمع من تحديات تسببت فيها سياسات الحكومة المستعجلة وغير المدروسة والعشوائية، وإلا عليهم حزم أمتعتهم والرحيل وترك الشعب الليبي يعالج مشكلاته وهو قادر على ذلك.
