مقالات الرأي

كتم الأنفاس



محمد بوخروبة

يمكن وصف المرحلة الحالية التي تمر بها المنطقة العربية بمرحلة كتم الأنفاس، فالمؤشرات المتراكمة خلال الأسابيع الأخيرة لا تشير فقط إلى استمرار المواجهة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وإنما إلى استمرار الاستعدادات السياسية والعسكرية والاقتصادية لجولة جديدة من الحرب، رغم وجود اتصالات غير مباشرة ومحاولات وساطة للتوصل إلى ترتيبات وقف الحرب.

وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لم تحسم القضايا الرئيسية التي فجرت الصراع، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن التسوية الدائمة لم تتحقق رغم اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة.

ومن هنا فإن التقدير الأقرب للمشهد أن المنطقة قد تكون مقبلة على جولة أكثر اتساعا من الحرب..

وتزداد احتمالات هذا السيناريو مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفي إسرائيل يخوض بنيامين نتنياهو معركة انتخابية، تعتمد -بصورة كبيرة- على صورته، باعتباره رجل الأمن القادر على مواجهة خصوم إسرائيل، بينما تواجه إدارة ترامب اختبارًا سياسيًّا داخليًّا قبل انتخابات الكونغرس، وتظهر التغطية السياسية الإسرائيلية أن نتنياهو يستخدم بالفعل الملف الأمني والحرب الإقليمية في حملته الانتخابية، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى ضغوط سياسية على حزبه.

أما في الولايات المتحدة فقد ربط ترامب علنًا بين نهاية الحرب والانتخابات النصفية، وقال إن الحرب يمكن أن تنتهي بعد الانتخابات.

وتزداد أهمية هذه النقطة إذا أخذنا في الاعتبار أن الحرب أصبحت تحمل تكلفة اقتصادية داخل الولايات المتحدة نفسها، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الوقود وتأثير اضطراب الطاقة والملاحة على التضخم، وبذلك لم تعد الحرب مسألة خارجية منفصلة عن السياسة الداخلية الأمريكية، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بتكاليف المعيشة وبالحسابات الانتخابية.

وفي إسرائيل أيضًا لا يمكن فصل التطورات العسكرية عن الحسابات السياسية، فنتنياهو يدخل الانتخابات في ظل محاولة لإعادة تثبيت صورته باعتباره القائد القادر على حماية إسرائيل، بعد أن تعرضت هذه الصورة لضربة كبيرة نتيجة إخفاقات أمنية سابقة، وتوضح رويترز أن حملته الانتخابية الحالية تقوم -بدرجة كبيرة- على إبراز قدرته على مواجهة التهديدات الإقليمية.

وفي مثل هذه البيئة تأتي التحركات الدبلوماسية الأخيرة لتضيف طبقة أخرى من الغموض، فقد جرت اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة أطراف إقليمية وطرحت إيران ترتيبات لإعادة فتح مضيق هرمز مقابل إجراءات أمريكية تتعلق بالعقوبات والحصار ووقف العمليات العسكرية، إلا أن الخلافات الأساسية بقيت قائمة خصوصًا حول البرنامج النووي وحرية الملاحة وشروط رفع العقوبات.

وفي الوقت نفسه، تستمر التحركات الإقليمية، ومنها زيارة نتنياهو إلى أبو ظبي في السابع والعشرين من سبتمبر، ولقاؤه الشيخ محمد بن زايد والتي جاءت في توقيت شديد الحساسية وقبل الانتخابات الإسرائيلية بأسابيع، وهذا يجعل الزيارة جزءًا من شبكة الاتصالات الإقليمية التي تجري في مرحلة بالغة الحساسية.

كما أن كثافة التحركات بين العواصم العربية وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل تكشف عن إدراك إقليمي بأن أي تصعيد بات في الأفق.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المشهد باعتباره اقترابًا من نقطة قرار، وفي هذه الحالة ستكون المنطقة العربية في قلب الأزمة وقد تتخذ دولا فيها قرار الدخول في الحرب.

وتصبح كثافة الاتصالات العربية في هذه المرحلة مفهومة في ضوء هذه المخاطر، فالزيارات المتبادلة بين القادة العرب والاتصالات مع واشنطن وطهران، والتحركات المصرية والسعودية والإماراتية والقطرية والعمانية، تمثل جزءا من محاولة إدارة بيئة إقليمية شديدة التعقيد..

وفي المحصلة فإن مجموعة المؤشرات القائمة تسمح بطرح تقدير واضح، احتمال تجدد أو اتساع الحرب ضد إيران أصبح مرتفعا خاصة مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة،

وما يجعل المرحلة الحالية مختلفة هو أن قرار الحرب لم يعد متعلقًا فقط بالقدرة العسكرية على تنفيذ الضربة، وإنما بالقدرة على تحمل ما سيأتي بعدها، لذلك تبدو المنطقة بالفعل في حالة كتم أنفاس، حيث تقف المنطقة العربية أمام احتمال جولة جديدة من الحرب قد تكون أكثر اتساعًا من الجولات السابقة، وقد تكون نقطة تحول في شكل النظام الإقليمي كله.

زر الذهاب إلى الأعلى