مقالات الرأي

حرب ضد الذاكرة _ الجزء الأول


محمد عبدالقادر
تغييب الرمزية قبل تغييب الجسد: لقد رافق عمليات الاغتيال التي رافقت النضال الوطني في أغلب المعارك الوطنية التي خاضتها الشعوب بقيادة مجموعة من القادة الوطنيين وقد تم اغتيال عدد لا بأس به منهم، لكن قد تترافق مع هذه الاغتيالات وقد تسبق اغتيال الجسد حرق الشخصية النضالية باعتبارها رمزًا وطنيًّا سيساهم في استمرار النضال وزخمه في الذخيرة الوطنية من المرويات والمكتوبات والمرئيات
شيطنة الرموز الوطنية كيف يُصنَع التشويه لاستنزاف الإرث النضالي؟
كيف قام ولا يزال يقوم الغرب بحرق شخصيات القيادات الوطنية بتشويه متعمد وخلق روايات مزورة يتم نشرها ودعمها بقوة لأنهم يهتمون بالأثر الذي يبقيه المناضلون في نفوس شعوبهم، وهذا سيكون إرث وتراث النضال الذي سينشئ قادة ومناضلين جددً على نفس الدرب، لذلك وجب تشويه الشخصيات ونضالها وتاريخها لأجل منع ذلك.
من ماوتسي تونج في الصين إلى هوشي منه في فيتنام إلى تشي غيفار في بوليفيا إلى الشيخ القسام في فلسطين إلى عبد القادر الجزائري في الجزائر إلى عبد الكريم الخطابي في المغرب إلى نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا إلى جمال عبد الناصر في مصر إلى سلطان باشا الأطرش في سوريا إلى عمر المختار في ليبيا، هؤلاء ثلة من الرموز المناضلة الذين قدموا حياتهم لشعوبهم وصنعوا تاريخًا مشرفًا فأراد عدوهم وعدو شعوبهم تشويه شخصياتهم وحرقها، وقد استخدموا كل الوسائل لفعل ذلك في صنع وتعميم سردية مزورة حولهم..
اغتيال الرمز قبل الجسد: كيف يُصنَع التشويه لاستنزاف الإرث النضالي؟
إن استراتيجية “حرق الشخصيات الوطنية” وتشويه الرموز النضالية تُعد من أكثر أدوات الحرب النفسية والفكرية فاعلية في التاريخ المعاصر؛ فالإمبريالية والقوى الاستعمارية أدركت مبكرًا أن القضاء الجسدي على القائد لا يكفي لإخماد ثورته، بل إن رحيله مقدامًا قد يحوله إلى رمز خالد ورمزية إلهام لا تنتهي.
من هنا تصبح الغاية الأساسية للهجمات الإعلامية والتاريخية هي اغتيال المعنى وتصفية الموروث النضالي، لقطع الطريق أمام الأجيال القادمة حتى لا تجد في تاريخها قدوة تستند إليها.
كيف يُصنَع التشويه لاستنزاف الإرث النضالي؟
لم تكن الحروب الاستعمارية يومًا مجرد مواجهات عسكرية لحسم السيطرة على الأرض، بل كانت ولا تزال حروبًا على “الذاكرة والوعي”.
إن أخطر ما يتركه القادة والمناضلون في شعوبهم ليس فقط الانتصارات الميدانية، بل “الأثر النفسي والرمزية الأخلاقية” التي تُشكل الوجدان الجمعي، وتصنع روافد النضال للأجيال المتعاقبة. ولأن الاستعمار يعلم أن هذه الرمزية هي المحرك الأساسي لولادة قادة جُدد، فقد صمّم ماكينات إعلامية وأكاديمية متخصصة في تفكيك هذه الشخصيات وشيطنتها، وإفراغ تاريخها من مضمونه التحرري.
لقد اتبع في ذلك ميكانيزمات (آليات أو أساليب العمل) التشويه: لصُنع السردية المزورة؟
لقد اتبعت أدوات التشويه الغربي والاستعماري عدة استراتيجيات ممنهجة عملت على التركيز على الأخطاء واقتطاع السياق، أي انتزاع القرارات السياسية أو العسكرية الصعبة من سياقها التاريخي والظروف القاهرة التي فرضتها المواجهة مع محتل مدجج بالسلاح، وتأطيرها كعنف مجاني أو دكتاتورية.
ويتم ذلك بقراءة النوايا وليس التحليل السياسي، وبتلفيق البيانات والمعلومات حول سلوكيات القادة وقراراتهم وتصريحاتهم واقتطاع خطبهم واستبعاد الوضوح والمقاصد العليا للنضال لتحقيق الأهداف المرجوة منه بممارسة عنف ثوري يبرره إرهاب مدجج وقوة غاشمة عمياء لعرقلة الأهداف العليا وهي تحرير الأرض والبشر، فيتم إغماض العين عن إرهاب وفتح العين الأخرى على العنف الثوري الـمُشَرعن.

زر الذهاب إلى الأعلى