مقالات الرأي

الحل الذكي لردم فجوة أسعار العقارات



بقلم / هدى حامد الزوي

يواجه قطاع الإسكان اليوم تحديًا مصيريًّا يتمثل في الاتساع غير المسبوق للفجوة بين أسعار العقارات المتصاعدة والقدرة المالية الحقيقية للأسر من ذوي الدخل المحدود والمتوسط. ولم تعد المشكلة مقتصرة على التكلفة المادية وحدها، بل امتدت إلى نمط المشاريع السكنية السريعة التي تعتمد على كتل خرسانية صلبة ونماذج معمارية مكررة تفتقر إلى روح المكان. هذا النمط الجاف يتجاهل تمامًا الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، مثل توفير الفراغات العامة الآمنة، وساحات لعب الأطفال، والمساحات المشتركة التي تعزز التواصل الجيراني والتكافل المجتمعي.

أمام هذا الواقع، لم يعد الإسكان التقليدي قادرًا على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. ومن هنا، يبرز التوجه نحو تبني “نماذج إسكانية مرنة” وقابلة للنمو التدريجي بوصفه خيارًا استراتيجيًّا ينتمي إلى منظومة (الإسكان الاجتماعي- الاقتصادي المستدام). يهدف هذا التوجه إلى تمكين الأسر من تملك مساكن تتسع وتتطور وفق إمكاناتهم، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي والثقافي الأصيل، وإعادة صياغة العلاقة بين المواطن وبيئته العمرانية.

المسكن الحقيقي ليس قالبًا خرسانيًّا ثابتًا يُفرض على الأسرة بالقروض المرهقة، بل هو كائن حي مرن ينمو مع احتياجاتها، ويتنفس في بيئة مجتمعية آمنة تصون الكرامة الإنسانية وتحقق العدالة المكانية.

يقوم مفهوم “نماذج إسكانية مرنة” على فكرة عبقرية وبسيطة: “المسكن النواة القابل للتوسع” (Incremental Housing). في هذا النموذج، يحصل المواطن على مسكن أساسي مكتمل هيكليًّا وخدميًّا (نواة سكنية تضم غرفة معيشة، ومطبخًا، وحمامًا، ومساحة مجهزة للتوسع المستقبلي). وعندما تتحسن قدرة الأسرة المالية أو يزداد عدد أفرادها، يمكنها إضافة غرف أو طوابق إضافية وفق مخططات هندسية معتمدة ومسبقة التصميم تمنع العشوائية وتحافظ على السلامة الإنشائية.

كما يدعم هذا التوجه برامج “البناء الذاتي المدروس هندسيًّا”، حيث توفر البلديات والجهات الهندسية نماذج معمارية مجانية ومواد بناء محلية مدعومة، مع إشراف فني دوري. يتيح ذلك للأسر استثمار جهودها الذاتية ومدخراتها التدريجية دون الوقوع في شباك القروض العقارية المجحفة، مما يوفر ما بين 35% إلى 50% من التكلفة الإجمالية للمسكن مقارنة بشراء الوحدات الجاهزة في السوق التجاري.

• تسهيل تأسيس الجمعيات التعاونية السكنية: تبسيط الإجراءات القانونية وتقديم أراضٍ حكومية مخدومة بأسعار رمزية ومخصصة للمشاريع غير الربحية.

• اعتماد كودات التصميم الإسكاني المرن: صياغة نماذج معمارية رسمية تتيح إضافة غرف وطوابق مستقبلية بدون تعقيدات استخراج التراخيص الروتينية.

• توفير البنية التحتية المسبقة: إلزام الجهات التخطيطية بربط الأراضي بشبكات المياه والكهرباء والصرف والمواصلات قبل تسليم رخص البناء.

• توفير حزم الدعم الفني والإشراف الهندسي: إطلاق منصات بلدية تقدم استشارات مجانية للمواطنين في مجالات البناء الذاتي واختيار المواد العازلة والمحلية.

• إدماج الفراغات العامة والاعتبارات الإنسانية: تخصيص ما لا يقل عن 25% من مساحات المخططات كحدائق عامة، ممرات للمشاة، وملاعب للأطفال لتعزيز الترابط الأسري.

لتفعيل هذا التحول نحو (الإسكان الاجتماعي- الاقتصادي المستدام)، يتعين على الحكومات المحلية والمؤسسات الإسكانية تبني خارطة طريق واضحة ترتكز على الشراكة المجتمعية. يشمل ذلك إطلاق “بنك الأراضي المخدومة” المخصص للإسكان المرن، وإنشاء صناديق تمويل تعاونية دوارة تدعم الأسر في مراحل البناء التدريجي بفوائد صفرية أو رمزية.

كما ينبغي ربط الإسكان بالاستدامة البيئية عبر تشجيع استخدام الطاقة الشمسية المنزلية، وتقنيات إعادة تدوير المياه الرمادية، واستخدام مواد البناء المحلية ذات الكفاءة العالية في العزل الحراري، لضمان تقليل تكلفة تشغيل وصيانة المنزل بعد استكماله وسكنه.

في الختام، إن إعادة التفكير في سياسات الإسكان ليست مجرد مسألة أرقام وإسمنت، بل هي استثمار مباشر في كرامة المواطن وتماسك المجتمع واستقراره المستقبلي. إن كسر حلقة المضاربات في أسعار العقارات يبدأ من تمكين الأسر عبر نماذج إسكانية مرنة تلبي حاجاتهم الحقيقية دون هدر للموارد أو إرهاق للديون.

زر الذهاب إلى الأعلى