محمد نجيب بوطالب وسؤال المستقبل المغاربي: من فهم المجتمع إلى بناء المستقبل

بقلم/ محمد نبيغ
إلى أي مدى يمكن التأسيس للبناء المستقبلي للمجتمعات المغاربية من خلال المقاربة السوسيولوجية للدكتور محمد نجيب بوطالب؟
ليس السؤال هنا عن وصفة جاهزة للمستقبل، ولا عن نموذج اجتماعي يمكن نسخه من بلد إلى آخر؛ فالمجتمعات لا تُستنسخ، والتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة نفسها، والحداثة التي تُزرع في تربة لا تعرف خصائصها قد تنتج اغترابًا بدل أن تنتج تقدمًا حقيقيًّا.
السؤال الأعمق هو: كيف نفهم المجتمع المغاربي وهو يتغير، من غير أن نقطع صلته بتاريخه، ومن غير أن نحوله في الوقت نفسه إلى أسير لماضيه؟
من هذه الزاوية تكتسب أعمال عالم الاجتماع التونسي الدكتور محمد نجيب بوطالب أهمية تتجاوز موضوعاتها المباشرة؛ فهو لم يدرس القبيلة باعتبارها بقايا من زمن مضى فحسب، ولا القرية باعتبارها مساحة جغرافية، ولا الهجرة باعتبارها رقمًا على الحدود، وإنما اشتغل على المجتمع من داخله: على بنياته، وتحولاته، ومجاله، وذاكرته، وعلاقاته، وآليات اندماجه وتغيره.
ومن هنا يمكن النظر إلى مشروعه ليس باعتباره برنامجًا سياسيًّا للمستقبل، وإنما باعتباره عدة معرفية تساعدنا على التفكير في المستقبل.
أولًا: القبيلة بين التغير والاستمرار: من أهم أعمال بوطالب كتابه «القبيلة التونسية بين التغير والاستمرار: الجنوب الشرقي من الاندماج القبلي إلى الاندماج الوطني»، وهو عمل بحثي واسع يتناول تاريخ القبائل التونسية وأوضاعها الاجتماعية، ويناقش التحول من الاندماج القبلي إلى الاندماج الوطني.
والأهمية هنا ليست في القبيلة وحدها، بل في طريقة النظر إليها.
فالقبيلة ليست بالضرورة كيانًا ثابتًا يعيش خارج التاريخ، كما أنها ليست شيئًا يختفي بمجرد قيام الدولة الحديثة. إنها بنية اجتماعية تتغير وظائفها وأشكال حضورها بحسب التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية.
ومن ثم فإن المجتمع الحديث لا يُفهم بمجرد إعلان القطيعة مع الماضي، وإنما بفهم الكيفية التي يعيد بها الماضي تشكيل نفسه داخل الحاضر.
وهذه فكرة أساسية في بناء المستقبل المغاربي: لا يمكن بناء مجتمع جديد بإلغاء الذاكرة الاجتماعية، كما لا يمكن بناء المستقبل بتجميد المجتمع داخل ذاكرته.
المطلوب هو فهم التحول في أشكال الانتماء والتضامن، وكيف انتقلت بعض وظائف الروابط المحلية إلى صيغ جديدة داخل الدولة الوطنية. ومن هنا يمكن تحويل طاقات التضامن المحلي من روابط ضيقة إلى قوة للمواطنة والتنمية والمصلحة العامة.
ثانيًا: المجال ليس خريطة، بل مجتمع حي: تتأكد هذه الرؤية في اشتغال بوطالب على المجال المحلي والريفي، ومن ذلك عمله حول «الصمار: تطور القرية بالجنوب التونسي، دراسة اجتماعية أنثروبولوجية لجفارة تطاوين».
وهنا تظهر قيمة العمل الميداني في علم الاجتماع: فالمجتمع لا يظهر كاملًا في الإحصائيات الوطنية.
فالرقم يخبرنا عن عدد السكان، والإحصائية تكشف مستويات البطالة والدخل، والخريطة تحدد موقع القرية، لكن أيًّا منها لا يكشف وحده كيف يعيش الناس داخل المكان، وكيف تتشكل علاقاتهم، وكيف ينظرون إلى مستقبلهم.
ولهذا فإن التنمية المستقبلية في المغرب العربي تحتاج إلى الانتقال من النظر إلى المجال باعتباره مساحة للمشاريع إلى النظر إليه باعتباره مجالًا اجتماعيًّا له ذاكرة وبنية وعلاقات ومصالح وتوازنات.
وهنا يصبح معيار التنمية أوسع من عدد الطرق والمؤسسات والاستثمارات؛ إذ يتعلق أيضًا بأثرها في حياة الناس، وبقدرتها على تغيير فرصهم وربط المجال بالدورة الاقتصادية والاجتماعية الوطنية.
ثالثًا: من المركز إلى المجال المغاربي المتعدد: تكشف هذه المقاربة أن المجتمع المغاربي لا يمكن أن يُقرأ باعتباره كتلة واحدة.
هناك المدينة والريف، الساحل والداخل، المركز والأطراف، الحدود والعمق، المجتمع المحلي والدولة الوطنية، الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي، والروابط العائلية والمحلية إلى جانب المؤسسات الحديثة.
وهذا يعني أن السياسات العامة التي تُصاغ من المركز تحتاج إلى معرفة دقيقة بما يجري في الأطراف.
فالحدود، مثلًا، ليست مجرد خطوط تفصل دولتين؛ إنها أيضًا مجالات اجتماعية واقتصادية وثقافية تتحرك فيها العائلات والتجارة والهجرة والذاكرة والمصالح.
وهنا يمكن أن يصبح المنهج السوسيولوجي الذي اشتغل به بوطالب مدخلًا لبناء خريطة اجتماعية مغاربية جديدة، لا تكتفي بعدّ السكان والمداخيل، وإنما تدرس شبكات التضامن والثقة، والهجرة، والتحضر، والعلاقات بين الريف والمدينة، والتحولات الأسرية، وأنماط العمل، وعلاقة الشباب بالمكان والدولة.
فمن لا يعرف المجتمع الذي يخطط له، قد يبني مشاريع كثيرة، لكنه لا يضمن أن تتحول هذه المشاريع إلى تغيير اجتماعي متماسك.
رابعًا: المصطلح ليس بريئًا: ومن الجوانب المهمة في مشروع بوطالب اشتغاله على قضايا المفهوم والمصطلح، ومن ذلك بحثه «سوسيولوجية الاصطلاح في تسمية المجتمع العربي».
وهنا نصل إلى مسألة تبدو لغوية في ظاهرها، لكنها معرفية في نتائجها: كيف نسمي الأشياء؟
فالاصطلاح ليس مجرد كلمة؛ فعندما نسمي ظاهرة اجتماعية باسم معين، فإننا نختار ضمنيًا طريقة محددة لرؤيتها.
ومن هنا لا يكون استقلال المعرفة مجرد امتلاك جامعات ومراكز أبحاث، وإنما امتلاك القدرة على فهم الواقع بمفاهيم دقيقة قادرة على التعبير عنه.
وهذا لا يعني رفض المفاهيم العالمية أو الانغلاق على الذات، بل يعني استخدامها بوعي: نأخذ منها ما يفسر واقعنا، ونختبر صلاحيتها، ونعدلها عندما لا تكفي.
فالمجتمع المغاربي لا ينبغي أن يكون مجرد مستهلك دائم للمفاهيم التي أنتجتها مجتمعات أخرى، وإنما ينبغي أن يصبح منتجًا للمعرفة عن نفسه.
