أزمة التعليم في ليبيا: عندما يدفع المعلم والطالب الثمن

نجوى مصطفى
يقف المجتمع الليبي اليوم أمام واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والتربوية، أزمة أبطالها اثنان: معلم كادح وطالب يحلم بالمستقبل. أصبحت هذه المعادلة ظالمة للطرفين؛ المعلم يطالب بحقه المشروع في الحياة الكريمة، والطالب ينادي بحقه الجوهري في التعليم، وبينهما تضيع أجيال وتنعدم الفرص.
المعلم في ليبيا لم يعد مجرد موظف يؤدي رسالة سامية، بل أصبح جسدًا يتنقل في المدارس بملابس رثة ووجه شاحب، وملامح تروي حكاية سنوات عجاف من الجهد الضائع والوعود التي لم تتحقق. كيف يطلب من إنسان يعود إلى بيته الخاوي، ويعجز عن شراء دواء ابنه المريض أو توفير ثمن الوقود لسيارته المتهالكة، أن يقف أمام السبورة بذهن صاف ويبدع في نقل المعرفة؟ الحقيقة المرة هي أن المعلم الذي تنغص عليه معدته الخاوية لن يستطيع بناء جيل يتكئ عليه الوطن. المعلم هو أيضًا أب لطالب، يستيقظ كل يوم ليمارس دور مربي الأجيال داخل الفصل، بينما يقف عاجزًا خارج المدرسة عن تأمين أدنى مستلزمات دراسة أبنائه.
في المقابل، يجد الطالب الليبي نفسه ضحية لموقف لم يرتكبه. يدفع الثمن من مستقبله وأيامه الدراسية التي تضيع في اعتصامات متكررة. الاعتصام بالنسبة للمعلم لم يكن خيارًا رفاهيًّا، بل كان الوسيلة الأخيرة والأكثر إيلامًا ليسمع العالم صوته بعدما أغلقت في وجهه كل أبواب الحوار، لكن نتائج هذا الاعتصام تقع مباشرة على كاهل الطالب الذي يحرم من حق أصيل كفلته له كل المواثيق والشرائع.
إذا أردنا تحديد المسؤول الحقيقي عن هذه الأزمة، فالأصبع لا يتجه نحو المعلم ولا نحو الطالب، فكلاهما صاحب حق. المسؤولية تقع بالكامل على عاتق السلطات المتعاقبة والجهات التنفيذية والتشريعية التي أدارت هذا الملف بعقلية المسكنات والوعود الزائفة. أزمة التعليم في ليبيا هي نتيجة سوء التخطيط، وإهمال العنصر البشري، وغياب الإرادة لبناء بيئة تعليمية مستقرة تضمن للمطالبين حقوقهم دون الإضرار بالعملية التعليمية.
تاريخ أمتنا الإسلامية يؤكد أن النهضة لا تبدأ إلا من تعظيم شأن العلم والمعلم. ففي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان ينفق على المعلمين من بيت مال المسلمين ويخصص لهم أعطيات تجعلهم في غنى عن اللهاث خلف لقمة العيش، تفرغًا لبناء عقول النشء. وفي عصر الدولة العباسية، كان الخليفة المأمون يزن الكتاب الذي يترجمه أو يؤلفه العلماء والمعلمون بوزنه ذهبًا، إيمانًا منه بأن كرامة المعلم واستقراره المادي هما أساس قيام الحضارة وسادتها. أما أن يترك المعلم الليبي يصارع من أجل لقمة العيش، وتترك المدارس ساحة للصراعات، فهذا إهدار لمستقبل الوطن.
