الصين.. من تجربة وطنية إلى دروس فلسطينية

بقلم / محمد علوش
حين نتأمل صعود الصين، لا تكمن المسألة في الأرقام وحدها، ولا في حجم اقتصادها أو تقدمها التكنولوجي، وإنما في الطريقة التي استطاعت بها دولة ذات تاريخ وحضارة عريقين أن تحوّل إمكاناتها البشرية والمادية إلى مشروع متراكم لبناء القوة الوطنية، ولهذا، فإن الصين تستحق أن تقرأ أبعد من صورتها الاقتصادية، وأن تفهم باعتبارها تجربة في بناء الدولة والتنمية والاستقلال، يمكن للفلسطينيين أن يستخلصوا منها دروسًا مهمة، من دون الوقوع في وهم استنساخها.
لم تصل الصين إلى موقعها الحالي في سنوات قليلة، ولم يكن طريقها مستقيمًا أو خاليًا من الأخطاء والتحولات، لكنها امتلكت، على امتداد عقود، رؤية بعيدة المدى جعلت تطوير الصناعة والزراعة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا والبنية التحتية أجزاءً مترابطة من عملية واحدة، وكان جوهر هذه العملية بناء قدرة وطنية متزايدة، بحيث لا تبقى التنمية مجرد تحسن في المؤشرات الاقتصادية، وإنما تصبح وسيلة لتعزيز قدرة الدولة والمجتمع على الفعل والاستقلال.
وربما يكون الاستثمار في الإنسان أحد أبرز مفاتيح التجربة الصينية، فالدولة التي تريد تغيير موقعها في العالم لا تستطيع أن تفعل ذلك من دون تعليم قوي، وتأهيل مهني، وبحث علمي، وقدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، وفي عالم اليوم، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو عسكرية، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة، والقيمة إلى قوة وطنية.
وهذا درس فلسطيني بامتياز، ففلسطين لا تملك الموارد التي تملكها الصين، ولا مساحتها الجغرافية أو سوقها الداخلية، لكنها تملك موردًا لا يقل أهمية: الإنسان الفلسطيني، لدينا جامعات، وكفاءات علمية ومهنية، وقطاع خاص، وخبرات متراكمة في الزراعة والصناعة والخدمات وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى طاقات فلسطينية واسعة في الشتات، والتحدي هو تحويل هذه الموارد المتفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة.
خذ الزراعة مثالًا، فالأرض الفلسطينية ليست مصدرًا للغذاء فقط، بل هي جزء من الأمن الاقتصادي والاجتماعي والصمود الوطني، لكن تطوير الزراعة يتطلب الانتقال بصورة أكبر من الإنتاج الأولي إلى التصنيع الغذائي، وسلاسل القيمة، والتكنولوجيا الزراعية، وتحسين التخزين والتسويق والتصدير، فدعم المزارع لا ينبغي أن يقتصر على مساعدته على البقاء، بل يجب أن يفتح أمامه طريقًا نحو إنتاج أكثر كفاءة وربحية وقدرة على المنافسة.
والأمر ذاته ينطبق على الصناعة، فالصناعة الفلسطينية تحتاج إلى سياسة أكثر وضوحًا لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم المهني باحتياجات سوق العمل، وتشجيع الابتكار، وتطوير المنتجات المحلية، فليس المطلوب فقط أن ننتج، وإنما أن نرفع القيمة المضافة لما ننتجه، وأن نخلق فرص عمل مستقرة، وأن نقلل، قدر الإمكان، من التبعية للأسواق الخارجية.
أما التعليم، فلا يكفي أن نقيس نجاحه بعدد الخريجين، فالسؤال الأهم هو: ماذا ينتج نظامنا التعليمي من معرفة ومهارات؟ وهل تستطيع الجامعات ومراكز البحث أن تكون جزءًا من حل مشكلات الاقتصاد والمجتمع؟ فإن الاستثمار في التعليم التقني والمهني، وفي البحث العلمي والتخصصات الرقمية والهندسية، يمكن أن يصبح أحد أهم مداخل بناء اقتصاد فلسطيني أكثر قدرة على الصمود.
وفي هذا المجال، تبرز التكنولوجيا كفرصة فلسطينية حقيقية، فمحدودية الموارد لا تمنع امتلاك اقتصاد معرفي، وقد أثبتت الكفاءات الفلسطينية في البرمجيات والخدمات الرقمية قدرتها على الوصول إلى أسواق خارجية، والمطلوب هو تحويل هذه القدرات الفردية والمؤسساتية إلى قطاع وطني أكثر تنظيمًا، يرتبط بالجامعات، ويدعم الشركات الناشئة، ويشجع البحث والتطوير، ويستفيد من الطاقات الفلسطينية في الداخل والشتات.
كما أن قضية العمل يجب أن تكون في قلب أي مشروع تنموي فلسطيني، فارتفاع البطالة، وتراجع فرص العمل، واعتماد أعداد كبيرة من العمال على سوق العمل الإسرائيلية، كلها مؤشرات على هشاشة الاقتصاد الفلسطيني وحاجته إلى قاعدة إنتاجية أوسع، ومن هنا تصبح الصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ليس فقط قطاعات اقتصادية، بل أدوات لخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتقليص التبعية.
وهنا تتضح أهمية التجربة الصينية بصورة أكبر، فقد تعاملت مع التنمية باعتبارها بناءً مستمرًا للقدرة الوطنية، لا مجموعة من المشاريع المنفصلة، وهذا ما تحتاج إليه فلسطين أيضًا: أن يتحول التعليم إلى معرفة، والمعرفة إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، والاقتصاد إلى صمود، والصمود إلى قدرة سياسية تحمي القرار الوطني، ولا يعني ذلك تجاهل الاحتلال أو التقليل من أثر القيود المفروضة على الأرض والموارد والحركة والتجارة، فالاحتلال يضع عوائق بنيوية أمام تطور الاقتصاد الفلسطيني، ويحد من قدرة الفلسطينيين على التحكم الكامل في مواردهم وحركتهم الاقتصادية، لكن مواجهة هذه القيود تتطلب، إلى جانب النضال السياسي، بناء كل ما نستطيع بناءه من مؤسسات ومعرفة وإنتاج وقدرات وطنية.
كما أن الانفتاح على العالم لا يتعارض مع بناء الاقتصاد الوطني، فالصين نفسها لم تنهض بالعزلة، بل استفادت من التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا والتعاون الدولي، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير قدراتها الذاتية، وهذه معادلة مهمة لفلسطين: نحتاج إلى الشراكات الدولية والاستثمارات والخبرات، لكن من موقع السعي إلى بناء القدرة الفلسطينية، لا استبدالها.
لذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى الصين باعتبارها نموذجًا جاهزًا ينبغي للفلسطينيين نسخه، بل باعتبارها تجربة تطرح أمامنا سؤالًا عمليًّا: ماذا نستطيع أن نبني بما نملك، وكيف نحول مواردنا المحدودة إلى قوة متراكمة؟ فإذا كانت الحرية هدف المشروع الوطني الفلسطيني، فإن التنمية إحدى أدواتها، وإذا كانت الدولة غايتنا، فإن الاقتصاد المنتج والتعليم والمعرفة والعمل الكريم من أعمدتها، وإذا كان الإنسان هو جوهر القضية، فإن الاستثمار فيه هو الاستثمار الأكثر أهمية في المستقبل، فالصين لا تقدم لنا طريقًا فلسطينيًّا جاهزًا، لكنها تذكِّرنا بأن الشعوب لا تغيِّر موقعها في العالم بالرغبات وحدها، وإنما بالرؤية والإرادة والتخطيط والعمل المتراكم، ومن هنا فإن المستقبل الفلسطيني لن يمنح لنا جاهزًا؛ علينا أن نبنيه، وهذه ربما أهم فكرة يمكن أن نتعلمها من الصين: أن قوة الشعوب لا تبدأ بما تملكه، وإنما بما تستطيع أن تفعله بما تملك.
