ملفات وتقارير

ليبيا.. الصحراء الصامتة والفرص الضائعة


تقرير/ عبدالفتاح الشريف
بينما تستعد مصر لتصدير كهرباء صحرائها إلى اليونان، وتبني تونس جسرًا كهربائيًّا إلى إيطاليا، وترسم الجزائر ممرًّا للهيدروجين نحو ألمانيا، تبقى ليبيا صاحبة أحد أفضل موارد الطاقة الشمسية على الكوكب غائبة عن الخريطة. لم تعد الطاقة المتجددة في حوض البحر المتوسط مجرد خيار بيئي، بل تحولت إلى ملف استراتيجي يعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية والسياسية بين أوروبا ودول شمال إفريقيا.

المتوسط يعيد رسم خريطة الطاقة النظيفة بمشروعات الربط والاستثمار
فالمبادرة الأوروبية الجديدة للطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة عبر المتوسط تعكس رغبة بروكسل في بناء شراكة طويلة الأمد مع دول جنوب المتوسط، ليس فقط بهدف تقليل الانبعاثات، بل لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي وتنويع مصادر الإمداد بعد أزمات الطاقة التي كشفت هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، وتستهدف المبادرة توظيف استثمارات تصل إلى 25 مليار يورو بحلول عام 2035، بدعم من ضمانات أوروبية تتجاوز 5 مليارات يورو، مع خطط لإضافة 15 ألف ميغاوات من مشروعات الطاقة المتجددة وخلق أكثر من 100 ألف فرصة عمل في قطاعات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.
وأعلنت القاهرة وأثينا في سبتمبر 2026 دخول مشروع الربط الكهربائي مرحلة الدراسات النهائية والترتيبات التمويلية لكابل بحري بقدرة 3000 ميغاوات لنقل الكهرباء المصرية إلى الشبكة الأوروبية عبر اليونان، وبالتوازي وقعت تونس وإيطاليا عقود محطة التحويل لمشروع خط بحري بقدرة 600 ميغاوات ينتظر تشغيله بحلول 2030، كما وقعت الجزائر مع ألمانيا اتفاقيات تشمل الطاقة الشمسية وتصنيع السيليكون والبطاريات، وفق خطة تسعى للانتقال من تصدير الغاز إلى مركز لتصنيع التقنيات النظيفة.
كما افتتحت المغرب سنة 2024 محطة طنجة لتوليد الكهرباء بالرياح قدرتها 270 ميغاوات وربطها بإسبانيا، بالإضافة إلى نقل الكهرباء النظيفة والربط الكهربائي عبر كابلات بحرية عملاقة إلى بريطانيا، وخط الربط البحري مع ألمانيا بقدرة 1500 ميغاوات، وكذلك مشروع جسر كهربائي جديد (قيد الدراسة) يربط شمال المغرب مباشرة مع فرنسا، كما خصصت الدولة المغربية مليون هكتار لإقامة ستة مشاريع استثمارية ضخمة في جنوب المغرب بقيمة 32 مليار دولار لإنتاج الهيدروجين الأخضر بشراكات محلية ودولية.
موارد شمسية من الأفضل عالميًّا
وبالرغم من امتلاك ليبيا موارد شمسية تصنف ضمن الأفضل عالميًّا، حيث تشير الدراسات إلى تسجيل منطقة الكفرة معدل إشعاع شمسي مباشر يبلغ 8,07 كيلووات/ساعة لكل متر مربع يوميًّا، وهو أعلى مستوى على كوكب الأرض، كما سجلت مدينة سرت وجنوبها معدل 7,2 كيلووات/ساعة/متر مربع، ويتجاوز عدد ساعات السطوع الشمسي 3500 ساعة سنويًّا على المستوى الوطني، بمعدل إشعاع يتراوح بين 7,1 – 7,5 كيلووات/ساعة/متر مربع.
ثروة طبيعية كبيرة وواقع إنجاز محدود
ولكن من المؤسف والمحزن جدًّا أن تقف هذه الثروة الطبيعية على النقيض من واقع الإنجاز، حيث لا تتعدى القدرة المتجددة المركبة في ليبيا 10 ميغاوات (طاقة شمسية) في الكفرة و5 ميغاوات (طاقة رياح) في درنة، أي بإجمالي طاقة متجددة ومتوقفة عن العمل قدرها 15 ميغاوات.
وهذا يعني أن نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء في ليبيا لا تتعدى 0,1٪ في مقابل 11٪ في مصر و20٪ في المغرب و46٪ في ألمانيا. وذلك بسبب اعتماد ليبيا على الغاز والديزل والنفط الخام بنسبة 99,9٪ في توليد الكهرباء، في حين يلتهم دعم الوقود أكثر من 80 مليار دينار سنويًّا، ويتجاوز الفاقد في شبكة الكهرباء 20٪، بينما تتكرر انقطاعات الكهرباء وساعات طرح الأحمال كل صيف.
الانقسام السياسي يعطل فرص الاستثمار
إن المنطق الجغرافي يفرض ضمنًا أن تكون ليبيا شريكًا طبيعيًّا عند تصميم ممر الهيدروجين الجنوبي، إلا أن غيابها عن إعلان النوايا السياسي الذي وقعته ألمانيا وإيطاليا والنمسا وتونس والجزائر استبعدها من قائمة مشروعات الطاقة النظيفة المؤهلة للتمويل الأوروبي، وهذا الاستبعاد لا يعود إلى خطأ في تقييم الموارد (السطوع الشمسي والبعد الجغرافي)، حيث تؤكد الأدبيات الأكاديمية أن الظروف الفيزيائية في ليبيا أفضل، وفي أسوأ الحالات مكافئة لدول الجوار، أي أن المشكلة أعمق من الموارد وتتمثل في عدة أسباب أهمها:
1) الانقسام السياسي وغياب السيادة الموحدة منذ 2011، حيث تعيش انقسامًا بين حكومتين لكل منهما مؤسساتها ومرجعياتها، وهذا لا يؤهلها لأن تكون دولة مضيفة للاستثمار في البنية التحتية العابرة للحدود (كابلات كهربائية أو أنابيب هيدروجين)، الذي يتطلب طرفًا سياديًّا واحدًا وموثوقًا يتحمل التزامات تمتد لعقود، ولا يجد المستثمر الأوروبي ولا بنوك التنمية الدولية هذا الطرف في (دولة ليبيا) المنقسمة سياسيًّا، خلافًا للحالة المصرية أو التونسية القادرتين على التوقيع باسم دولة موحدة.
2) المخاطر الأمنية وعدم القابلية للتأمين، وذلك لأن عمر مشروعات الطاقة العابرة للحدود يمتد إلى 20-30 سنة في بيئة مستقرة أمنيًّا تخلو من الميليشيات المسلحة والجماعات المتطرفة الداعمة للخلايا الإرهابية التي لا تزال نشطة في بعض المناطق بسبب ضعف الأجهزة الأمنية وعدم قدرتها على فرض القانون ونشر الأمن والاستقرار، حيث تتعرض مشروعات الطاقة لهجمات متكررة، وكل ذلك يحول دون تقديم القروض بضمانات سيادية لمشروعات ليبية، لأن التأمين التقليدي لا يغطي المخاطر المرتبطة بالحالة الليبية.
3) الفراغ المؤسسي وانعدام الحوافز وعدم وجود هيئة تنظيمية ليبية مستقلة للطاقة المتجددة وغياب القانون الملزم والإطار الواضح يلغي احتكار إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، ويسمح للقطاع الخاص المحلي وللمستثمرين الأجانب بالدخول في هذا القطاع، كما حصل في مصر التي عدلت قوانينها وألغت الاحتكار وشجعت الاستثمار المحلي والخارجي في مجال إنتاج الكهرباء، كما حددت تونس هدف طاقة نظيفة بحلول 2030.
4) هيمنة النفط على التفكير الاقتصادي الليبي وذلك من خلال توفير الإيرادات المباشرة والسريعة، بينما تتطلب الطاقات المتجددة تخطيطًا مؤسسيًّا طويل الأمد وقوانين واضحة وسوق كهرباء منظمة وشراكات تقنية، أي أن الاعتماد شبه الكامل على العائد النفطي حال دون تحول الشمس إلى أولوية سياسية.
مكاسب أوروبية وفرص عربية
ويبدو أن المكاسب الأوروبية تتمثل في الطاقة النظيفة القريبة من القارة وتنويع الإمدادات ومصادر الطاقة وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري وتوفير فرص كبيرة للشركات الأوروبية في مجالات الكابلات، والشبكات والتوربينات والألواح الشمسية وتقنيات الهيدروجين، كما يمكن للدول العربية أن تحقق مكاسب مهمة تتمثل في جذب التمويل وتحديث الشبكات وخلق فرص العمل وتطوير الصناعات الجديدة وتقليل فاتورة الوقود المستورد أو المستهلك محليًّا.
لكن الخطر يكمن في أن تتحول بعض هذه الدول إلى مجرد منصات لإنتاج الطاقة النظيفة الموجهة إلى أوروبا من دون استفادة كافية للسوق المحلية أو للصناعة الوطنية، لذلك فإن نجاح المبادرة لا يقاس فقط بحجم الأموال أو القدرات المركبة، بل بمدى نقل التكنولوجيا ونسبة المكونات المحلية، وفرص العمل، وحصول المواطنين على كهرباء أكثر استقرارًا ونظافة، وقدرة الدول المضيفة على إدارة مواردها بشروط عادلة.
ليبيا الغائب الأكبر عن خريطة الطاقة المتجددة
وسط هذا المشهد تبدو ليبيا هي الغائب الأكبر، بالرغم من امتلاكها مساحات صحراوية واسعة ومعدلات سطوع شمسي عالية، وبالرغم من قربها من مالطا واليونان وإيطاليا وامتلاكها قدرة تاريخية في تصدير الطاقة إلى أوروبا (النفط والغاز)، ومع ذلك لا تظهر كلاعب رئيسي أو حتى احتياطي في خريطة الطاقة المتجددة المتوسطية.
فرصة ضائعة لإمدادات الطاقة النظيفة
إن غياب ليبيا من المنظور الأوروبي يعني التخلي عن مورد ممتاز كان بإمكانه أن يسرع تحول الطاقة وتزويد أوروبا بكهرباء نظيفة، في الوقت الذي تواجه فيه كل من مصر وتونس ضغوطًا متزايدة من الطلب المحلي ومحدودية الفائض القابل للتصدير، كما أن مشاركة ليبيا كانت ستوفر قناة إمداد إضافية، ولكن مقابل علاوة مخاطر مرتفعة جدًّا في دولة لا تستطيع أن تضمن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية ولا حتى القدرة على حماية بنيتها التحتية.
وبالتالي تخسر ليبيا عائدات الطاقة النظيفة وفرص العمل التي توفرها مشروعاتها، وتستمر في حرق غازها ونفطها بأسعار مدعومة لتشغيل محطات متهالكة.
من الميزة الطبيعية إلى الأصل الاقتصادي
وختامًا، يظل تحويل الميزة الفيزيائية والجغرافية إلى أصل اقتصادي مشروطًا بالعوامل السياسية، وفي لحظة إعادة تشكيل خريطة الطاقة المتوسطية بوتيرة متسارعة، تبقى صحراء ليبيا صامتة، إلا أن ذلك لا يعني استحالة التحاق ليبيا بالمبادرة الأوروبية، من خلال مسار تدريجي يبدأ بإقرار استراتيجية وطنية موحدة للطاقة المتجددة منفصلة عن الصراع السياسي، تحدد أهدافًا واقعية للإنتاج المحلي قبل التصدير، وذلك بتأسيس هيئة تنظيمية واضحة وقوانين لشراء الكهرباء من المنتجين المستقلين وفقًا لآليات شفافة لتخصيص الأراضي وضمانات لحماية الاستثمار، تعيد فيها الطاقة الشمسية لليبيا أهميتها في القرن الواحد والعشرين كما جعل النفط ليبيا مهمة في القرن العشرين.

زر الذهاب إلى الأعلى