ليبيا.. كلفة بيئية متصاعدة

بقلم / يوسف امحمد الشريف
لم تعد التحديات البيئية في ليبيا تقتصر على مظاهر التلوث اليومية أو تراكم النفايات في المدن، بل أصبحت تتقاطع بصورة متزايدة مع تغير المناخ، وتدهور الموارد الطبيعية، وآثار الصراعات السابقة، والنشاط النفطي والصناعي. وتتشكل أمام البلاد منظومة معقدة من الضغوط البيئية، تبدأ من انبعاثات قطاع الطاقة وحرق الوقود، وتمتد إلى النفايات النفطية والكيميائية والمخلفات الصناعية، وصولًا إلى الأنقاض والمخلفات الناتجة عن الصراعات وما قد تحمله من ملوثات خطرة.
وتكتسب هذه القضية أهمية أكبر في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على المحروقات؛ إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن قطاع النفط والغاز شكَّل في عام 2024 نحو 65% من الناتج المحلي الإجمالي و92% من الصادرات و72% من الإيرادات، ما يجعل الاقتصاد والبيئة معًا شديدي الارتباط بهذا القطاع.
وفي المناطق النفطية والصناعية، يمكن أن تظهر التأثيرات البيئية في صورة تسربات زيتية، ومخلفات حفر وإنتاج، وانبعاثات من عمليات التشغيل والنقل والحرق، فضلًا عن النفايات الصناعية التي تحتاج إلى عمليات جمع ومعالجة وتخزين وفق معايير بيئية دقيقة. ولا تتوقف المشكلة عند حدود المنشأة الصناعية، لأن الملوثات التي تصل إلى التربة أو المياه يمكن أن تنتقل إلى مناطق أوسع بحسب طبيعة الموقع والرياح والخصائص الهيدروجيولوجية.
أما النفايات الكيميائية والخطرة فتطرح تحديًا مختلفًا؛ فالمواد الكيميائية غير المُدارة بصورة سليمة يمكن أن تؤثر في الهواء والمياه والتربة والتنوع الحيوي، وقد تدخل في السلاسل الغذائية أو تتراكم في النظم البيئية. وتؤكد الأمم المتحدة أن سوء إدارة النفايات والمواد الكيميائية يُعد من الضغوط التي يمكن أن تضر بصحة الإنسان والأنظمة البيئية، وأن بعض الملوثات الكيميائية قادرة على التراكم الحيوي والتأثير في الكائنات الحية.
وتضيف آثار الحروب والصراعات بعدًا بيئيًّا آخر. فالمخلفات الحربية والأنقاض والمنشآت الصناعية المتضررة والحرائق والانسكابات النفطية يمكن أن تنتج عنها مواد ملوثة تصل إلى الهواء أو التربة أو المياه. وقد أكدت الأمم المتحدة للبيئة أن النزاعات المسلحة في ليبيا وغيرها من الدول يمكن أن تترك وراءها ملوثات سامة مرتبطة بحرائق النفط وتسرباته، والمخلفات المنزلية والصناعية، والأنقاض، والمواد العسكرية والملوثات الصناعية، وأن جزءًا من هذه الآثار قد يستمر لفترات طويلة بعد انتهاء الصراع.
وفي البيئة الليبية، تتقاطع هذه الضغوط مع تغير المناخ. فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول وزيادة الضغط على المياه والأراضي الزراعية والمناطق الساحلية يمكن أن يجعل النظم البيئية أكثر هشاشة أمام التلوث. وعندما تجتمع موجات الحرارة أو الأمطار الغزيرة مع شبكات تصريف ضعيفة أو مكبات غير مؤهلة، قد تتزايد مخاطر انتقال الملوثات من النفايات إلى التربة أو المياه.
كما أن حرق النفايات بصورة مفتوحة يمثل مشكلة بيئية وصحية، لأنه يطلق الجسيمات والغازات والمواد الكيميائية إلى الغلاف الجوي. وتوضح الأمم المتحدة للبيئة أن الإدارة غير السليمة للنفايات الخطرة، بما في ذلك النفايات النفطية والمواد الكيميائية والبلاستيك والمعادن الثقيلة، يمكن أن تؤدي إلى تدهور التربة والمياه وانبعاث ملوثات هوائية عند الحرق غير المنضبط.
وفي يوليو 2026 نشرت ليبيا أول مساهمة محددة وطنيًّا للمناخ، في خطوة تهدف إلى دمج العمل المناخي تدريجيًّا في خطط التنمية الوطنية، وتحديد أهداف كمية للفترة 2026– 2035 استنادًا إلى خط أساس لعام 2017 وسنة مرجعية هي 2023. وتُظهر هذه الخطوة أن قضية المناخ أصبحت جزءًا من الإطار الوطني للتخطيط، بما يفتح المجال لربط سياسات الطاقة والصناعة والنفايات وحماية الموارد الطبيعية بالتحول المناخي.
لكن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بإصدار الخطط، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى إجراءات قابلة للقياس، من خلال حصر مصادر التلوث، وإنشاء قواعد بيانات بيئية، ومراقبة جودة الهواء والمياه والتربة، وتحسين إدارة النفايات الخطرة، ورفع كفاءة المنشآت النفطية والصناعية، وإعادة تأهيل المواقع الملوثة.
إن ليبيا لا تواجه مشكلة بيئية واحدة، بل مجموعة مترابطة من المشكلات. النفط يوفر موردًا اقتصاديًّا رئيسيًّا، لكنه يرتبط بانبعاثات ومخاطر تلوث إذا لم تُطبق الإدارة البيئية الصارمة. والحروب لا تنتهي آثارها بمجرد توقف القتال، إذ قد تبقى ملوثات ومخلفات بحاجة إلى تقييم وإزالة ومعالجة. أما تغير المناخ فيضيف ضغطًا جديدًا على الأنظمة الطبيعية والبشرية.
ولهذا فإن حماية البيئة في ليبيا لم تعد قضية تجميلية أو ملفًّا ثانويًّا، بل أصبحت مرتبطة بالصحة العامة، والأمن المائي والغذائي، وحماية السواحل، واستدامة المدن، ومستقبل الاقتصاد نفسه. والمطلوب هو الانتقال من التعامل مع التلوث بعد وقوعه إلى الوقاية والرصد المبكر والإدارة المستدامة، بحيث تصبح حماية البيئة جزءًا أساسيًّا من التنمية الوطنية وإعادة الإعمار وبناء القدرة على التكيف مع المناخ.
